أوروبا بين «كابوس» تـرامب و«تطمينات» هاريس: مستقبل قاتم لـ «الناتـو».. ومخاوف من تفاقم الانقسامات

دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون
دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون


فى الوقت الذى ينتظر فيه العالم على نطاق واسع نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر انطلاقها بعد غد، الثلاثاء، التى تشهد منافسة محتدمة بين الرئيس السابق، دونالد ترامب، ومرشحة الحزب الديموقراطى، كامالا هاريس، تترقب أوروبا بحذر الفائز بالسباق وسط قلق عميق من «كابوس» عودة محتملة للمرشح الجمهورى مرة أخرى إلى البيت الأبيض. يأتى القلق الأوروبى من مواقف ترامب السابقة خلال فترة رئاسته من العام 2016 حتى العام 2020، والتى تبنى فيها سياسة صارمة تحت عنوان «أمريكا أولاً» تسببت آنذاك فى توتر العلاقات ببن بروكسل وواشنطن.

على الرغم من الخوف من عودة الخلافات التجاربة التى شبت بين الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة فى عهد ترامب، إلا أن الخلاف الأمنى، والمتمثل فى منظمة حلف شمال الأطلسى «الناتو»، يعد الأكثر تخوفاً، وذلك فى وقت تشهد فيه القارة العجوز حرباً هى الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضًا | الصين تستعد لجولة صعبة من الصراع مع واشنطن

وكان ترامب قد هدد صراحة فى 2018 بالانسحاب من «الناتو» من أجل إجبار الحلفاء الآخرين على زيادة الإنفاق الدفاعى، قائلاً إنه لن يدافع عن الحلفاء «المتخلفين» الذين ينفقون أقل من 2٪ من الناتج المحلى الإجمالى على الدفاع.

كما أنه هدد بفرض رسوم جمركية تتراوح من 10 إلى 20٪ على جميع الواردات لإعادة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة. فضلاً عن ذلك، وصف ترامب الاتحاد الأوروبى قبل أسبوعين بأنه «صين صغيرة»، الأمر الذى يكشف عن نية المرشح الجمهورى حول الاستمرار فى نهجه المعادى للتكتل.

وقد دفعت هذه المواقف بعض المحللين الغربيين إلى القول بإنه فى حال فاز ترامب بالرئاسة الأمريكية، فيمكن لـ «الناتو» أن يتوقع المزيد من الاضطرابات فى المستقبل. فى المقابل، يتمنى زعماء أوروبا فوز هاريس - نائبة الرئيس الأمريكى - التى وعدت بالسير على خطى الإدارة الحالية برئاسة، جو بايدن، فيما يتعلق بالسياسات والالتزامات والتعهدات الأمنية تجاه أوروبا و»الناتو».

وقال المحللون إن تهديدات ترامب السابقة من جهة والتهديدات الروسية الحالية من جهة أخرى، قد أجبرت أوروبا على الاستثمار فى الدفاع عن نفسها.

وحذروا فى الوقت نفسه أن تماسك التحالف العسكرى الغربى سيكون فى خطر من رئيس جمهورى معادٍ أو انعزالى. ويواجه الأوروبيون حاليًا تحديين أمنيين رئيسيين، هما الحرب الأوكرانية والتوترات فى الشرق الأوسط.

وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية -التى قدمت فيها واشنطن أكبر مساهمة فى الدفاع عن كييف- يرى المحللون أن الزعماء الأوروبيين أصبحوا متورطين بشكل كبير فى الحرب الأكبر فى القارة منذ الحرب العالمية الثانية، مشيرين إلى أنه فى الوقت الذى أعلن فيه القادة عن دعمهم لكييف «ما دامت الأمور على ما يرام»، تواجه حكوماتهم إرهاقاً عاماً ومركزاً سياسياً ضعيفاً وعودة محتملة لترامب.

ويخشى القادة الأوروبيون أن رئاسة ترامب الثانية قد تؤدى إلى تفتيت التحالفات، الأمر الذى قد يمثل انتصاراً كبيراً للرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، نظراً للغموض الدائم حول علاقة الأخير بالمرشح الجمهورى.

فضلاً عن ذاك، يتنافس بعض الزعماء الأوروبيين مع قوى داخلية قد تعرض التزاماتهم الأمنية تجاه أوكرانيا للخطر. وبعد أكثر من عامين ونصف العام من الحرب فى أوكرانيا، يهدد الإرهاق العام بالسيطرة على بعض البلدان، حيث أصبح بعض الزعماء الأوروبيين الآن فى مواقف سياسية محفوفة بالمخاطر وأكثر تقييداً فيما يتعلق بما يمكنهم القيام به.

وفى مختلف أنحاء القارة، تدفع الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بسرديات ضد إرسال الأموال أو الأسلحة.

وبالنسبة لحرب الإبادة فى غزة، لم يتمكن الاتحاد الأوروبى المنقسم من حشد موقف قوى ومشترك، حيث أكدت هاريس دعمها لإسرائيل بينما أدانت أيضًا محنة الفلسطينيين خلال خطاب قبولها فى المؤتمر الوطنى الديموقراطى.

ويعد ذلك أيضًا انحرافاً متواضعاً عن سياسة إدارة بايدن تجاه إسرائيل. فى غضون ذلك، تحول تركيز ترامب مؤخرًا إلى إنهاء الصراع.

وفى حال استجابت هاريس لدعوات الديموقراطيين التقدميين لتبنى موقف أقوى فى دعم فلسطين، فقد يحصل الأوروبيون على الدفعة السياسية التى يحتاجون إليها لدعم وقف إطلاق النار الدائم بشكل جماعى. ومع ذلك، فإن رئاسة ترامب قد تؤدى إلى تفاقم الانقسام فى الاتحاد الأوروبى.

وفى نهاية المطاف، فمن المرجح أن يكون الفارق الرئيسى بين إدارة هاريس وإدارة ترامب سيكمن فى وتيرة ومدى سحب الموارد الدفاعية الأمريكية من أوروبا. وفى حين قد تسعى إدارة ترامب إلى الانسحاب السريع، فإن فوز هاريس فى الانتخابات قد يؤدى إلى انسحاب أكثر تدريجية، مما يسمح للدول الأوروبية بالوقت لتعزيز استراتيجياتها الدفاعية.

ولم يقتصر الأمر فقط على انسحاب ترامب من الناتو، حيث يمكنه أيضاً تقويض «الناتو»، بما فى ذلك رفضه تعيين سفير لدى الحلف أو سحب القوات الأمريكية من الدول الحليفة، أو عدم إرسال وزراء خارجيته ودفاعه وغيرهم من المسؤولين إلى الاجتماعات رفيعة المستوى.