إذا أردت تشخيص أمراض البحث العلمي المصري، فإن المرض العضال الذي تمكن من جسده فأوهنه وقلل كثيرا من كفاءته وقدرته على العدو في سباق الريادة والتقدم، هو الانفصال بينه وبين الصناعة، فصار الباحثون في واد، وأهل الصناعة في واد آخر، حتى بات المواطن البسيط يسأل: ما قيمة البحث العلمي، إن لم يكن له مردود واضح في الصناعة؟
ورغم أنى لا أمل طرح هذا السؤال على كثير من الخبراء الذين التقيتهم فى حوارات سابقة نشرها ملحق «الأخبار العلمي»، إلا أن طرحه هذه المرة يبدو مختلفا، ليس فقط لأنه سيطرح على د. وائل عقل، وهو عالم كبير كانت له تجربة رائدة فى العمل كأستاذ زائر بعدة جامعات أمريكية، ولكن لأنه أيضا يرأس منذ عام 2021 مؤسسة علمية وبحثية، استطاعت أن تخطو خطوات ملموسة فى اتجاه التوصل لعلاج لهذا المرض، وهى جامعة النيل.
◄ 350 شركة ناشئة خرجت من رحم الجامعة فى 3 سنوات
◄ «وادي التكنولوجيا» يربط البحث العلمي بالصناعة ويُحجم هجرة العقول
وصدر القرار الرئاسى بإنشاء الجامعة فى عام 2006، وبدأت عملها من القرية الذكية بالسادس من أكتوبر فى عام 2007، وذلك قبل الانتقال إلى مقرها الرئيسى، لتستطيع الجامعة خلال وقت قصير جدا، تحقيق العديد من النجاحات، التى يعددها د.عقل، ومنها غزارة النشر البحثى للباحثين، والذى يفوق المستوى الوطنى للنشر أربعة أضعاف، والحصول العام الماضى على جائزة أكبر جامعة ريادية فى إفريقيا، والحصول على المركز الأول بين الجامعات الخاصة والأهلية فى مصر، وفق «تايمز هاى إيديوكيشن»، وهو تصنيف هام يركز على البحث العلمى والنشر الدولى والتأثير المجتمعى.
◄ النموذج المثالي
ويعتز د.عقل كثيرا بهذه الإنجازات التى سطرتها الجامعة، لكنها رغم أهميتها، تتوارى خلف الإنجاز الأهم الذى حرص على ذكره عندما سألته عن «تقييم تجربة الجامعة خلال 18 عاما»، إذ قال بنبرة لا تخلو من الزهو والفخر» إذا أردت تلخيص أهم انجاز تحقق خلال 18 عاما، فسيكون النجاح فى تقديم النموذج المثالى للجامعة البحثية والريادية التى تسهم فى الاقتصاد الوطنى من خلال الأبحاث وتسويق التكنولوجيا».
ولم يمهلنى الفرصة لطلب الاستطراد فى تفسير ما يعنيه بهذا الإنجاز، إذا واصل حديثه بدون توقف قائلا: «جامعتنا هى أولى الجامعات وأكثرها نشاطا فى نشر ثقافة الابتكار وريادة الأعمال واحتضان الشركات الناشئة ودعم الصناعة».
ويتوقف لبرهة يحصل خلالها على رشفة من القهوة، ليمنحنى تلك الفرصة لمقاطعة استرساله بسؤال عن ماهية الشركات الناشئة التى خرجت من رحم الجامعة، ليزيده هذا السؤال زهوا وفخرا ينعكس مجددا على نبرة صوته، وهو يقول: «خرجت من رحم الجامعة خلال الثلاث سنوات الأخيرة، 350 شركة ناشئة، عبر خمس حاضنات توجد داخل الجامعة».
ويرى د. عقل أن الجامعة بهذا الإنجاز المهم استطاعت تحقيق العائد الاقتصادى المطلوب، فالعائد الذى تحققه أى جامعة ليس فيما تتحصل عليه من مصروفات طلابية، ولكن فيما يخرج عنها من أبحاث تطبيقية وبراءات اختراع قابلة للتطبيق، وشركات ناشئة، ترفع من قيمة الناتج القومى وتجلب استثمارات مباشرة.
ويمتلئ ملف الشركات الناشئة بالعشرات من القصص الناجحة، التى يذكر منها د.عقل، على سبيل المثال، شركة تتبع حالة المحاصيل بالذكاء الاصطناعى وتقدم نصائح للمزارعين، وأخرى لإنتاج بطاريات كهربائية للدراجات النارية، وثالثة لتأسيس المنازل الذكية.
ويقول بلهجة حاسمة: «نحن عازمون على المضى قدما فى هذا الطريق الذى أتى ثماره فى العديد من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث إن كثيراً من الشركات المهمة فى الاقتصاد الأمريكى مثل آبل وجوجل خرجت من رحم إحدى الحاضنات بجامعة ستنافورد».
◄ الحل الوحيد
وحول ما إذا كانت حاضنات الشركات الناشئة تسهم إلى حد ما فى الربط بين البحث العلمى والصناعة، قال د.عقل مشيرا بسبابته «لا يوجد سوى حل واحد فقط لتحقيق هذا الربط، اسمه «وادى التكنولوجيا»، فهو الطريق الذى قطعته كثير من الدول، ووصلت من خلاله إلى نتائج ملموسة، ولن نستطيع إنجاز شيء بدون السعى نحو تنفيذه».
ووادي التكنولوجيا كما يشرحه د.عقل، هو مكان يتألف من أربعة مكونات، هى فروع للشركات الكبرى التى توجد لديها إدارات للبحث والتطوير، ومركز أبحاث مجهز، ومن خلال التواصل الدائم والمستمر بين هذين المكونين، ستكون هناك مخرجات بحثية، يتم احتضانها فى المكون الثالث، وهو حاضنات تكون مهمتها تحويل الفكرة البحثية إلى منتج، وأخيرا، كيان أكاديمى يقدم برامج التعليم والتدريب للطلاب والمهنيين.
ويقول د.عقل: «الأمر الإيجابى، أن جامعة النيل، لديها المكونات الأربع، لذلك نحن بصدد إنشاء وادى للتكنولوجيا، يكون نموذجا للجامعات المصرية، وهو مشروع كان ضمن أوراق تأسيس الجامعة، لكنه تعطل لبعض الوقت، لكننا الآن بصدد تنفيذه».
وكرر رئيس جامعة النيل خلال الحوار أكثر من مرة «وادى التكنولوجيا» كحل لكثير من المشكلات، منها الحفاظ على استمرار الشركات الناشئة، بدلا من هجرة أصحابها باستثماراهم إلى الخارج.. وقال إن: «وجود وادى التكنولوجيا يحسن من بيئة الاستثمار، وتطوير المنتجات، وهو مناخ مشجع لتلك الشركات على البقاء بدلا من أن تجد الملاذ فى بلدان أخرى».
وبسؤاله عن مدى استيعاب منظومة البحث العلمى المصرية للدور الذى بات يلعبه الذكاء الاصطناعى فى كل مجالات الحياة، وهى الرسالة التى تأكدت من خلال جوائز نوبل هذا العام، قال إن «الشيء الإيجابى هو أن القيادة السياسية والقائمين على منظومة البحث العلمى يدركون تماما هذه الحقيقة، فأصبح لدينا أكثر من كلية متخصصة فى الذكاء الإصطناعى، ولكن الشيء غير الإيجابى، أن العقول المميزة فى هذا المجال تتلقى عروضا مغرية للعمل فى الخارج، ولن نستطيع الإبقاء عليها إلا بتقديم عروض منافسة، ولن يتحقق ذلك إلا اذا كان للجامعات مصادر دخل إضافية، تأتى من دخولها كشريك فى الشركات التى تخرج من رحم وادى التكنولوجيا».
◄ قصص نجاح
وإلى أن يتحقق هذا الحل المتكامل المتمثل فى وادى التكنولوجيا، فإن جامعة النيل استطاعت تحقيق بعض النجاحات التى ستكون مستدامة عندما يتم تأسيس هذا الكيان.
وترك د.عقل لغة الأرقام كى تتحدث عن حجم ما تحقق من إنجازات منها أن «الشركات الناشئة التى خرجت من رحم الجامعة استطاعت الحصول على تمويل من البنوك بقيمة تتجاوز 8 مليارات جنيه، وهذا رقم كبير يعكس ثقة البنوك فى نجاح هذه الشركات، ومن ناحية أخرى، يؤكد على الدور الذى لعبته تلك الشركات فى تحويل تلك الأموال الراكدة لشيء مفيد يدر دخلا ويوفر فرص عمل».. من الأرقام الأخرى التى يعتز بها، هى نجاحهم فى تطوير منتجات أربع شركات تكنولوجية، مما أسهم فى تحقيق زيادة فى المبيعات تجاوزت 2 مليار جنيه، وجاء ثلث هذا المبلغ من التصدير.

«ديسلكسيا».. معاناة مع الحروف| اضطراب ذهنى يسبب صعوبات التعلم.. وعسر القراءة والكتابة
«فضفضة» صحية| فن الحكى وسيلة لغرس القيم وتخفيف الضغط النفسى للأطفال
من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»







