بعد الاختصار

قم واقتل أولا!

عمرو جلال
عمرو جلال


من بين جميع الوسائل التي تستخدمها الدول لحماية أمنها ليس هناك ما هو أكثر إثارة للجدل من استراتيجية «قتل السائق».

منذ الحرب العالمية الثانية اغتالت إسرائيل عددًا من الأشخاص يفوق ما نفذته أى دولة فى العالم.. تاريخ الاغتيالات الذى يجرى فى الدماء الإسرائيلية ليس وليد الحرب فى غزة.. قبل 6 سنوات قام الصحفى اليهودى «رونين بيرجمان» بنشر كتاب «قم واقتل أولا» رصد فيه جزءا من عمليات الاغتيال التى نفذها الموساد وأذرع أخرى للحكومة الإسرائيلية فى السلم والحرب وبداية من حقبة ما قبل تأسيس دولة الاحتلال وفى أماكن متعددة حول العالم..

أهمية الكتاب أنه موثق وجاءت تفاصيله بناء على ألف مقابلة أجرها الصحفى بالإضافة إلى آلاف من الوثائق التى تروى قصص العديد من عملاء الموساد والشاباك وأجهزة أخرى.. واستوحى المؤلف عنوان كتابه من عبارة ترددت كثيرا على ألسنة من قابلهم من العملاء كمبرر لعملهم وهى جملة مذكورة فى كتاب التلمود تقول: «إذا جاء شخص ما ليقتلك انهض واقتله أولا»..

ويقول المؤلف: (من بين جميع الوسائل التى تستخدمها الدول الديمقراطية لحماية أمنها ليس هناك ما هو أكثر إثارة للجدل من استراتيجية «قتل السائق» وفيها يتم اغتيال الشخصيات المهمة والبعض يسميها تصفية لأسباب قانونية فمجتمع الاستخبارات الأمريكية يطلق عليها «القتل المستهدف» وفيها يتم قتل فرد معين من أجل تحقيق هدف وأحيانًا إزالة زعيم من أجل تغيير مجرى التاريخ)..

ويسرد مؤلف الكتاب التاريخ السرى للاغتيالات الإسرائيلية بداية من اغتيال رجال الشرطة البريطانيين والنازيين فى أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية ثم يتحدث عن استهداف العلماء الألمان الذين حاولوا بناء منظومة صواريخ لمصر خلال حقبة الزعيم جمال عبد الناصر كما روى كيف تم استهداف أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية ثم قيامهم بتحديد علماء إيران النوويين وعلماء الصواريخ ومواقعهم ويقوم بعدها العملاء بقتلهم..

وحول فلسفة التخلص من أعداء إسرائيل نسمع رئيس الموساد الأسبق «مئير داغان» يقول: «إن الاغتيالات لها تأثير كبير على الروح المعنوية كما لها تأثير عملي..

لا أعتقد أن هناك الكثير ممن كان بإمكانهم استبدال نابليون أو رئيس مثل روزفلت أو رئيس وزراء مثل تشرشل حيث يلعب الجانب الشخصى دورا بالتأكيد صحيح أنه يمكن استبدال أى شخص ولكن هناك فرقا بين استبدال شخص بشخص آخر يتميز بشخصية شجاعة واستبدال شخص بشخص ذا شخصية ميتة أو تفتقر للحياة»..

داغان السفاح والجاسوس الأشهر ترك رئاسته للموساد بسبب تصريحاته حول نتنياهو فهو يراه شخصية تفتقد للذكاء وتسعى لمصلحتها الشخصية بالإضافة إلى رغبته القوية فى شن حرب على إيران وهو ما كان يرفضه.. السؤال الذى يثيره الكتاب والذى جاء فى 696 صفحة.. هل يمكن للقضاء على فرد أو عدد من الأفراد أن يجعل دولة ما أكثر أمانًا؟..

وهنا أرى أن تاريخ العالم مليء بالأمثلة التى تظهر كيف أدت عمليات الاغتيال إلى تفاقم العنف والصراعات ورأينا كيف أن اغتيال ولى عهد النمسا عام 1914 أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى ووفاة ملايين الأشخاص وتدمير العديد من الدول الأوروبية..

ثم إن اغتيال العلماء النوويين لم يمنع إيران من استكمال مشروعها كما أن اغتيال قاسم سليمانى لم يتسبب سوى فى المزيد من تصعيد التوترات فى الشرق الأوسط وردود فعل عنيفة من طهران وزيادة الهجمات على القوات الأمريكية فى العراق واليمن وتصاعد التوترات الإقليمية. ومن قبله تم اغتيال إسحق رابين والنتيجة انهيار عملية السلام.

إن اغتيال زعيم حركة حماس يحيى السنوار الذى تعده إسرائيل إنجازًا كبيرًا لن يقضى على حماس.. وقائمة القادة الفلسطينيين الذين اغتالتهم بالمئات ومن بعدهم خرج المزيد مثلهم بلا توقف.. إن عمليات الاغتيال الإسرائيلية للرءوس الكبيرة هى استعراض سياسى وانتصار مؤقت.. و«قتل السائق» قد يعنى أحيانا أن الشاحنة فى طريقها لتنفجر داخل منزلك.