22 سنة تنوير| مكتبة الإسكندرية.. عبقرية التاريخ ومستقبل الأجيال

مكتبة الإسكندرية بنور معارفها لتواصل تقديم رسالتها الفكرية والحضارية
مكتبة الإسكندرية بنور معارفها لتواصل تقديم رسالتها الفكرية والحضارية


إنقاذ التراث المصرى وتطوير مهارات الرواد.. أهم نجاحاتها

على مدار ٢٢ عاماً أشرقت مكتبة الإسكندرية بنور معارفها لتواصل تقديم رسالتها الفكرية والحضارية وتنير الطريق  لملايين الزائرين..

فكانت بيئة ثقافية داعمة لهم تساهم فى صقل معارفهم وتطوير شخصياتهم وتحقيق أحلامهم، لتستمر فى رسالتها التى نشأت من أجلها  قديمًا ..

واليوم تحتفى «الأخبار» بذكرى إنشاء مكتبة الإسكندرية برصد قصص النجاح والتجارب الإنسانية التى ساهمت المكتبة فى صنعها..  بعيدًا عن كل الأرقام والبيانات الرسمية  نقترب لنراها بعيون فئاتٍ متنوعة كانت المكتبة خير سند لهم.. فكيف غيرت  مكتبة الإسكندرية حياتهم؟

اقرأ أيضًا| ختام المؤتمر الدولي للتوعية المعلوماتية - إفريقيا 2024 "ICIL Africa"

حنان: 9 سنوات تكللت بـ «ربة منزل وأفتخر»

«من ربة منزل تقليدية إلى مدربة مُعتمدة فى أحد البرامج الأمريكية».. كانت تلك هى رحلة  النجاح التى خاضتها حنان  حسين مبروك بفضل مكتبة الإسكندرية.

حنان التى تفرغت لرعاية بيتها كربة منزل  قد تغير مسار حياتها بعد مشاركتها فى إحدى الورش بمكتبة الإسكندرية والتى قدمتها وحدة دراسات المرأة لتتحول حينها من ربة منزل تقليدية إلى مواطنة مؤثرة إيجابيًا فى المجتمع. تروى حنان قصتها لـ «الأخبار»: على مدار قرابة 20 عامًا تفرغت فيها لخدمة أسرتى منذ زواجى واكتفيت بدورى كربة منزل، إلى أن قررت التوجه لمكتبة الإسكندرية منذ 9 سنوات تقريباً لتشجيع بناتى على التطوع والمشاركة فى أنشطة مكتبة الطفل والنشء، وهناك تعرفت على عالم جديد، فأصبحت أشارك  بنفسى فى العديد من الورش المُقدمة لأولياء الأمور لدعمهم فى تربية الأبناء، ثم شاركت فى ورش وحدة دراسات المرأة والتى كانت مفصلية فى تغيير حياتي.

 وتتابع: فى عام 2018  التحقت بورشة استضافها مركز دراسات المرأة بالمكتبة بالتعاون مع مركز أمريكى للتمكين الذاتى وتطوير المهارات الشخصية للنساء..

كانت تلك الورشة مثل الحجر الذى حرك المياه الراكدة بداخلى  فتفجر شغفى وطاقتى، فبدأت رحلة جديدة وأنا على مشارف الأربعينيات، فبفضل  هذه الورشة تغيرت حياتى فحرصت على وضع خطة لتطوير نفسى وبدأت فى تنفيذها  وحضرت العديد من التدريبات الأخرى وبدأت فى مساعدة غيرى، وهو ما نال إعجاب المدربات فى الورشة الأولى ليتم  تصعيدى واختيارى كمدربة معهم فى البرنامج لمساعدة الآخريات.

 تطورت رحلة حنان فأطلقت مبادرة «ربة منزل وافتخر» قائلة: «كان هدفى أن أمنح ربات البيوت مثلى الفرصة للانطلاق وتطوير شخصيتهن، فبقاؤهن فى المنزل لا يعنى انتهاء  دورهن فى الحياة أو انطفاء الشغف، فيمكن لكل سيدة أن تكتشف هُويتها الخاصة وتحقق النجاح وهو ما سوف ينعكس إيجابيًا على أسرتها وعلى تربية أبنائها بشكل أفضل..

رحلة نجاح حنان التى بدأتها من داخل مكتبة الإسكندرية امتدت إلى المحافظات الأخرى فشاركت مع  المجلس القومى للمرأة فى تدريبات السيدات فى قرى البحيرة والأقصر على تطوير شخصيتهن، وتقول حنان: أنصح أى سيدة لديها الفرصة للاستفادة من خدمات وورش مكتبة الإسكندرية ألا تتردد أبدًا، فالمكتبة مثل الصندوق السحرى الممتلئ بالفرص السعيدة والتى يجب استثمارها جيدًا ، فقد تكون هى البداية لحياة أسعد.

ماهر: أعتبرها بيتى الثانى

المكتبة هى بيتى الثاني، هكذا بدأ الشاب ماهر حسني، البالغ من العمر 17 عامًا، حديثه معبرًا عن انتمائه العميق للمكتبة التى يحرص على زيارتها تقريبًا يوميًا، فقد اعتاد ماهر زيارة مكتبة الإسكندرية منذ صغره، حتى أصبح وكأنه عضو دائم بها، متنقلًا بين أنشطتها المتعددة ومتطوعًا فى وحداتها المختلفة مثل: مكتبة الطفل، النشء، برنامج دراسات المرأة والتحول الاجتماعى، ودراسات التنمية المستدامة، مركز القبة السماوية العلمى، ومتحف الآثار.

وأشار إلى أن كل واحد من هذه البرامج عرّفه على أشياء كثيرة. ويسعى ماهر إلى التوازن بين دروسه فى الثانوية العامة وزيارة المكتبة بانتظام للاستفادة من الورش والمحاضرات والأنشطة المتميزة بها.

أوضح أن التطوع فى المكتبة أكسبه خبرة جيدة فى كيفية التعامل مع الناس، وجعله مُؤهلًا لتحديات سوق العمل، وأضاف ماهر: أنه من خلال المكتبة، التقى بالعديد من الشخصيات الإيجابية والمشهورة مثل: الموسيقار عمر خيرت والسفيرة نبيلة مكرم وغيرهما. كما التقى بمهندسى مكتب سنوهتا الذين صمموا المكتبة، فوجئ بعدها بإرسالهم له كتابًا عن مراحل إنشاء المكتبة يحمل توقيع جميع المهندسين المشاركين فى التصميم.

ويؤكد ماهر: أن المكتبة ليست مجرد مكان للقراءة، بل كيان ثقافى أكبر بكثير. يقول إنه يحضر من خلالها حفلاتٍ موسيقية ومحاضرات فى مختلف المجالات التى يهتم بها. يرى أن أى شخص سيذهب للمكتبة سيجد ما يبحث عنه. ينصح ماهر الشباب بالاستفادة من الفرص المتنوعة التى تقدمها مكتبة الإسكندرية، والتى ستساعدهم فى مستقبلهم المهنى.

صباح: ورش القراءة السهلة ساعدتنى فى محو أميتى

«مكتبة الإسكندرية.. يا مكتبة الحياة.. أنا حالفة خلاص المرة.. حتعلم وأصبح حرة.. وحنسى الليالى المرة.. حتعلم وأحقق ذاتى بالعلم الجديد فى حياتى».. أنشودة بسيطة  ألفتها صباح صبَاح مجدى..

لتعبر بها عن امتنانها لمكتبة الإسكندرية التى ساندتها  خلال رحلتها فى محو أميتها. فمنذ 5 سنوات بدأت صباح «46 سنة» رحلتها  داخل أروقة مكتبة الإسكندرية.

حيث تواظب على المشاركة شهرياً فى جلسة برنامج القراءة السهلة المُخصص لتعليم الكبار، فصباح التى وُلدت فى أسرة ترفض تعليم الفتيات، قررت التمرد على التقاليد البالية وتحقيق حلم الطفولة  بالذهاب إلى المدرسة وهى فى الأربعين من عمرها، لتجد الدعم المفقود من عائلتها داخل  مكتبة الإسكندرية.

  تقول صباح: «رفض أهلى التحاقى بالمدرسة وزوجونى وأنا صغيرة، ورزقنى الله بثلاثة أولاد ولكن توفى زوجى وأصبحت أرملة وأنا فى منتصف الثلاثينيات، فقررت أن أكافح لأربى أولادى وعملت كعاملة نظافة فى أحد المستشفيات، ولكن فى أحيانٍ كثيرة كنت أفكر ماذا لو كنت تعلمت وأصبح لديّ شهادة أعمل بها؟ ألم تكن نفعتنى الآن وأصبحت هى سندى وسند أولادي؟ لماذا حرمنى أهلى من التعليم كنت أبكى ولا أسامحهم ولكنى قررت تغيير حياتى وأن أذهب لهيئة تعليم الكبار وبرنامج مكتبة الإسكندرية لاستكمال تعليمي».

تقول صباح: «خلال الجلسة نتدرب على القراءة بصوت مرتفع لنتمكن من تطوير قراءتنا، ويزيد وعينا» وتتابع: «أتذكر أفضل نص قرأته كان عن سيدة تمكنت من محو أميتها حتى حصلت على شهادة مكنتها من العمل..

حفزتنى قصتها وظلت فى ذاكرتى وتمنيت أن أصبح يوماً مثلها». وتتابع: « منذ دخولى لمكتبة الإسكندرية تغيرت حياتى للأفضل  فأصبحت أشعر بالأمل فى الحياة والثقة فى النفس.. شعرت أننى أستطيع تعويض ما فاتنى.. حتى أهلى سامحتهم..

وكلما كنت أشعر بالضعف وأقرر الانسحاب من رحلة التعلم لكى أركز على خدمة أولادى فى ظل ضغوط الحياة، كنت أجد من يشجعنى بالمكتبة ويطالبنى باستكمال  هدفى ويدعمني..

حتى نجحت فى الوصول للصف الثالث الإعدادى وأصبحت أقرأ القرآن فى رمضان». وتتباهى صباح بحملها كارنيه عضوية مكتبة الإسكندرية الذى يتم منحه مجانًا لحاملى شهادة محو الأمية تشجيعاً لهم، فتلوح به قائلة: «انظروا..

ها أنا سيدة تكمل  تعليمها فى محو الأمية وحصلت على كارنيه اشتراك فى أهم المكتبات فى مصر». تبتسم صباح وهى تعود للغناء «حتعلم وأصبح حرة.. وأحقق حلمى أكيد».

«وينى»: غيرتنى للأفضل وتأكدت أن الأفارقة أشقاء

من جنوب السودان إلى مصر.. رحلة قطعتها سوزان وينى بول بحثًا عن مستقبل أفضل لها، إلى أن اكتشفت الكنز الذى ساعدها وطور شخصيتها وهو مكتبة الإسكندرية. فمنذ اشتراك سوزان فى  برنامج رابطة الشباب الأفارقة بمكتبة الإسكندرية (ALYM) الذى يهدف لخدمة ودمج الطلاب الأفارقة فى مصر وهى تكتسب مهاراتٍ جديدة فى كل مرة.

فالبرنامج الذى انطلق  فى عام 2011  يقدم العديد من الورش والفرص ويفتح قنوات الاتصال بين الطلاب الأفارقة وأقرانهم المصريين لمشاركة وتبادل المعرفة والخبرة من خلال اجتماعات أسبوعية بمكتبة الإسكندرية.

 تقول  سوزان: «عرفت المكتبة من خلال إحدى صديقاتى التى  كانت  تشارك فى البرنامج فى دورة سابقة وأعجبتنى حينها المحاضرة  فقررت الاشتراك  فى البرنامج هذا العام، لأحقق استفادة كاملة».

وتتابع: «قدم لنا البرنامج الكثير من المعلومات والمهارات فساعدنى على تطوير شخصيتى وتعلمت كيف أواجه خوفى وأتحدث أمام الجماهير دون خجل..

وهذا أكبر نجاح شخصى لى فقد كنت فى البداية أضعف وأرتبك ولكننى اليوم بفضل البرنامج أصبحت قوية وناجحة».

تبتسم سوزان وتقول: «مكتبة الإسكندرية مكان عظيم  يعبر عن الحضارة والتاريخ ويحتوى الجميع»، تضيف سوزان: «شعرت بأن الأفارقة أشقاء ودعاة الفرقة بينهم جاهلون ويجب أن نتعاون معا ونتحد».

«مصطفى» تغلب على  اضطراب التوحد بالفن

للحظات، توقف الزمن لدى منى محمد على وهى تراقب ابنها مصطفى حمدى، المصاب بالتوحد، وهو يقف على مسرح مكتبة الإسكندرية الرئيسى يغنى بفرحة وبدون خوف أمام الحضور.

تصفيقات الجمهور كانت تملأ المكان، ودموعها انهمرت عندما دُعيت من قِبل أحد مسئولى وحدة ذوى الاحتياجات الخاصة فى المكتبة إلى الصعود إلى المسرح لتروى قصة نجاح ابنها الذى أصبح الآن فى الثلاثينيات من عمره.

ذكريات الكفاح مرت أمام عينيها، من بينها: تلك السنوات التى قاربت 16 عامًا والتى قضتها فى مكتبة الإسكندرية.

تحكى منى قائلة: «عندما تم تشخيص مصطفى باضطراب التوحد، شعرت بالحزن والتحدى معًا، وقررت البحث عن جميع الوسائل لدعمه. عندما اصطحبته لأول مرة إلى مكتبة الإسكندرية وهو صغير، وجدت ضالتى هناك.

استقبلنا أعضاء مكتبة ذوى الاحتياجات الخاصة بكثير من الترحيب والتفاهم وتبنوا مصطفي، حتى أصبحت المكتبة مكانه المفضل، وبدأنا بالتردد عليها مرتين فى الأسبوع».

وتابعت: «وجدت فى المكتبة مختصين يفهمون حالة مصطفى، ونجحوا فى احتوائه بكل حب وساعدونى على التغلب على الكثير من التحديات النفسية والأكاديمية». ويلتقط مصطفى طرف الحديث قائلاً: «أحب المكتبة كثيرًا..

تبتسم والدته وتروى: لقد تلقيت الكثير من الدعم النفسى مع ابنى داخل المكتبة، فقد كانوا يعاملون مصطفى دائمًا كشخص طبيعى وناجح، وحرصوا على الاحتفاء به عند فوزه فى أى مسابقة أو نشاط آخر حتى أصبح نموذجًا ناجحًا لأقرانه».