كانت تبيع الجرائد والمجلات والكتب وورق اليانصيب، مكانها مُدهش لا أعرف كيف اختارته ولا متى وضعت أول دوبارة خيط متينة تثنى عليه الجرانين والمجلات وتثبتهم بمشابك خشب، كان المكان عبارة عن حائط صغير فى تقاطع شارع فؤاد مع شارع العطارين، حائط مجرد حائط تحوّل بالوقت إلى أحد معالم المدينة، لم تطمع يومًا فى أكثر منه، تبدأ يومها الخامسة صباحًا مع ما يحمله قطار الصحافة من جرايد قادمة من القاهرة إلى الإسكندرية، تأتى مبكرة حتى نعتقد ونحن أطفال فى الطريق إلى المدرسة أن الأرض انشقت عن جسدها البدين من طول ما جلست، مذهلة لم أعرف إلا بعد سنوات طويلة أن ملكة الجرايد تجلس على كرسى متحرك عتيق، ورغم أُميتها كانت تحفظ أسماء الكُتّاب وفى أى الأيام مقالاتهم.
اشتريت منها جورنال الأخبار لأبى وميكى وسمير لى، ثم أصبحت زبونها الأثير، تلف لى كل يوم كومة جرايد ومجلات وكتب أمشى بها إلى المقهى القريب من البحر لأقرأها مستلهمًا مشهدًا رأيته للأستاذ نجيب محفوظ ، ثم قبل الظهر أعيدهم لها دون أن أدفع إلا ثمن ما أحب أن أحتفظ به فقط.
وهكذا أمدتنى الست سهير بآلاف الصفحات ومئات الصحف ومن ناصية فرشة الجرايد الصغيرة أحببت ملمس الورق المطبوع ورائحته وكان أول خبر أكتبه باسمى فى أخبار اليوم اشتريت نسخته من الست سهير التى أصرت على أن تصافحنى بيدها الغارقة فى حبر الجرايد الأسود وأن تعطينى الجريدة دون مقابل وأعتقد أن هذه أول مكافأة أحصل عليها فى حياتى من الكتابة.
رحلت السيدة بعد أن عملت فى توزيع الجرايد والمجلات سبعين سنة دون إجازة يومًا واحدًا حتى فى الأعياد كانت حاضرة قبل صلاة العيد، وقت كانت الصحف يقف العابرون يشترونها بالطابور، ويوم كانت الحوادث لا تقع إلا إذا نشرت فى الجورنال.
أعبر على الحائط الصغير فأجد أثرًا قد تُرك من حبر الجرايد وثمة حبال مقطوعة كانت تحمل طى الصفحات الأولى ومانشيتات الصحف، وبعد خطوتين متجهًا إلى المقهى القديم أتأكد أن الأثر ليس على الحائط إنما فى روحى وأيام لم تعد معى، بعض الناس فى بساطة ودون قصد يتركون داخلنا أثرًا عميقًا لا يزول، لكن المؤكد أنهم أخلصوا فيما فعلوه يومًا بعد يوم حتى انتقل لنا أكثر من مجرد ذكريات وبقايا حبر.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







