فواصل

‫ جائزة عكس التوقعات

اسامة عجاج
اسامة عجاج


فى مقالى الأسبوع الماضي، وفى نفس المكان، تمنيت أن تتم إعادة الاعتبار إلى الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريش»، بمنحه جائزة نوبل للسلام، كرد اعتبار له بعد الحملة التى تعرض لها من قِبَل إسرائيل، وكان الرجل بالفعل موجوداً ضمن قوائم المرشحين، ومعه وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ومحكمة العدل الدولية، ولكن الإعلان عن اسم الفائز كان عكس التوقعات، وهى «منظمة نيهون هيدانكيو الشعبية اليابانية»، الخاصة بالناجين من القنبلة الذرية، لجهودها من أجل تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية. 

ولست هنا للتشكيك فى أحقيتها، فهذا آخر ما أقصده، ولكن لدى تساؤل منطقى ومشروع، ألم يكن من الأجدر أن يكون الفائز هذا العام تحديداً أياً من الجهات أو الأشخاص الذين قاموا بعمل بارز خلال هذا العام، الذى شهد أكبر جريمة ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني، وفى مقدمتهم النماذج الثلاثة السابقة خصوصاً وكالة غوث اللاجئين، صحيح أن الخطر الذى تحذر المنظمة اليابانية منه أن استخدام الأسلحة النووية مدمر للعالم، ولكنه محكوم بمعدلات، وتوازن يجعله خياراً غير مطروح بنسبة كبيرة، بينما العدوان الإسرائيلى يحصد يومياً عشرات من الشهداء غالبيتهم من النساء والأطفال، على العديد من الساحات العربية، خاصة وأن ربع جوائز نوبل على مدار عقود، ذهبت إلى شخصيات من منطقة الشرق الأوسط، وآخرهم فى العام الماضى فقط، «نرجس محمدي» الناشطة الإيرانية فى الدفاع عن حقوق الإنسان، والتى تقضى حكماً بالسجن، وأظن أن الجهات الثلاثة ليست أقل من الناشطة الإيرانية. 

وقد يقول قائل، إن المشرفين على الجائزة تعاملوا مع القضية من خلال البعد عن المواجهات والصدامات، مع دولة فاجرة تجاوزت كل الحدود والأعراف والقوانين الدولية، لدرجة أنها، ومعها جهات دولية متواطئة، نجحت فى إثارة شبهات حول الوكالة التى كانت تستحقها بالفعل، على مقولة لم تثبت، بأن بعض موظفيها شارك فى هجمات السابع من أكتوبر الماضي، ولكن فى هذه الحالة، فهى لم تتوقف عند نتائج التقرير الذى صدر فى أبريل الماضي، وقدمته مجموعة المراجعة المستقلة، والتى تم تشكيلها بناء على قرار من جوتيريش، للتحقيق فى  تلك المزاعم، وجاء فيه تحديداً أن (تل أبيب لم تقدم دليلاً واحداً على مزاعمها)، وأشار التقرير إلى أن «الأونروا» لديها أدوات كثيرة لضمان حيادها، وتقدم بصورة دورية قوائم العاملين بها إلى إسرائيل، والتى لم تبلغ المنظمة بأى بواعث قلق حيال أى من موظفيها، بناء على تلك القوائم منذ عام٢٠١١.

 إنحازت اللجنة إلى الجمعية اليابانية، لإظهارها شهادة شهود تؤكد من خلالها أن الأسلحة النووية يجب ألا تستخدم مرة أخرى، خاصة وأنها مشكلة من الناجين من القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على مدينتى «هيروشيما» و»ناجازاكي» عام ١٩٤٥، ولكنها تركت وكالة تحتاج إلى دعم معنوي، وفى انتظار إشادة دولية، وهى التى تقدم خدماتها لحوالى ستة ملايين لاجئ فى الأردن ولبنان وسوريا والضفة وغزة والقدس، فى مجالات التعليم والصحة وتوفير الغذاء فى الحالات الطارئة، وتواجه فى تلك الفترة مخططاً خبيثاً، متعدد الأبعاد، يسعى إلى تهميشها أو إنهاء مهمتها، بآليات متعددة، منها محاولة الانحراف بعملها من الإغاثة إلى المساعدة فى توطين اللاجئين فى الدول المقيمين بها، وتفويت فرصة حق العودة، ناهيك عن  شيطنة الوكالة، وتجفيف مصادر تمويلها، وسحب الشرعية وتجريمها عبر قوانين إسرائيلية، وتصنيفها كمنظمة إرهابية، ومنع دخول مساعداتها إلى غزة، وإغلاق مقراتها، كما حدث منذ أيام فى القدس، وتعمد استهداف قوافلها ومنشآتها، ومحاولة تقليص دورها بإسناد مهماتها إلى هيئات أخرى، كل ذلك لأن وجود «الأونروا» مرتبط بقضية اللاجئين وحق العودة التى تمثل دليلاً مضافاً بأن هناك ضرورة لقيام دولة فلسطينية، من حق كل لاجئ أن يعود إليها، ويتمتع فيها بحق المواطنة.
وأخيراً نقول للمشرفين على الجائرة، لقد جانبكم الصواب، وهناك من هو أحق بها.