ترك انتصار حرب السادس من أكتوبر عام 1973 ذكريات عزيزة على قلوب صانعي النصر الذين سطروا تاريخا ومجدا يفخرون به في كل وقت وحين، حيث تمكن هؤلاء الأبطال من أبناء قواتنا المسلحة الباسلة من صناعة تاريخ تأبى صفحات المؤرخين أن تتجاوزه، بل يقفون على أسطر العزة والكرامة التي دونها رجال الجيش المصري متأملين المعجزة الحربية المصرية، التي استعادت بها مصر والعرب عزتهم وكرامتهم.
في ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة والعظيمة، كشف اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج العديد من القصص المؤثرة والذكريات العطرة، التي تجمعت في خاطره أثناء حواره مع «بوابة أخبار اليوم»..
◄ حدثنا عن ذكرى حرب أكتوبر المجيدة وما أسفرت عنه من مواقف وأحداث ستظل راسخة في وجداننا؟
نحن نحتفل بحرب أكتوبر بعد 51 عامًا، على أعظم انتصار مصري في القرن الـ 20، لأن الحرب أستطاعت أن تغير أشياء كتيرة جدًا حين دخلنا الحرب كانت سيناء بأكملها محتلة، واليوم وبعد 50 عامًا سيناء بالكامل عادت لنا فى حين أن الجولان مازالت محتلة والضفة الغربية محتلة من إسرائيل إلى الآن، ولذلك نعتبر أن هذه الحرب حققت أهدافها واستعادت الأرض، واستعادت مصر كرامتها لأننا انهزمنا هزيمة كبيرة من إسرائيل في 67.

انتصارنا في 73 أعاد الكرامة للجندى المصري والعسكرية المصرية، التى وضعت في مصاف الدول الكبرى، كوننا أكثر دولة تعمل مناورات عسكرية والجميع يأتي إلينا للتدريب، فنحن خضنا حرب حديثة مع دولة قوية، فعلى سبيل المثال أمريكا حين حاربت في فيتنام كانت الحرب بين دولة قوية ودولة لا شىء، إنما نحن حاربنا مع عدو قوي لديه أسلحة متفوقة، وبالرغم من ذلك انتصرنا عليه، إذن جيش مصر هو جيش قوي ومحترم وله ثقل، وبالتالى الحرب حقق أهدافها، أهمها أنها أعطتنا قوة عسكرية أمام العالم أجمع.
◄ كيف بدأت خطواتك نحو المشاركة في حرب أكتوبر؟
كنت رائد متخرج حديثًا من كلية أركان حرب، أي قبل اندلاع الحرب بأسبوع، ونحن الدورة الـ 25 الوحيدة التى ليس لها صورة تخرج، لأن الضباط كانوا في حالة انشغال دائم، وليس ليدهم وقت لحضور مراسم التخرج، على الرغم من أنها كانت دورة مهمة، كان فيها اللواء عمر سليمان، وكنت الأول على الدفعة ولكن في المقابل كانت مكافأتي هي الانضمام إلى هيئة العمليات، وهى تعد «كريمة ضباط القوات المسلحة».
في السنوات الست، وأنا أتدرج في رتبتي العسكرية من ملازم أول حتى وصلت إلى رتبة نقيب، كنت شاهدًا من موقعي على الشاطئ الغربي للقناة، على عملية بناء العدو الإسرائيلي لـ «خط بارليف»، وأرى جنود العدو، سعيدين بنصر في معركة لم يواجهوا فيها شرف القتال، وأسال نفسي كل يوم متى نعبر القناة ومتى تعود أرض سيناء الحبيبة إلى حضن أمها مصر؟.

الجيش المصري تعلم الكثير من فنون الحرب، وكانت هناك مقولة أن «الحرب تعلم الحرب»، وتم التدريب على الأسلحة الجديدة التي وصلت من الاتحاد السوفيتي. وأيضا التدريب على عبور الموانع المائية في بحيرة قارون، وعلى أفرع نيل مصر العظيم.
أتذكر كان معى فطاحل من رجال القوات المسلحة، بالمعنى الأصح هم من خططوا لحرب أكتوبر، وحين بدأت استلمنى اللواء غنيم النائب، وادخلني إلى اللواء الجمسي فنظر لي قائلا: «انت رائد.. قولتله أيوة يا فندم.. قالى جايبينك هنا تعمل ايه؟.. رد اللواء غنيم نيابة عنى قائلا: «هو طلع الأول على دفعته»، بعدها بيومين فتحنا مركز العمليات الذي يدار منه الحرب موقعه 35 م تحت الأرض، لأن العدو الإسرائيلي لديه نووي، فإذا المركز تعرض للضرب، كنا سنفقد السيطرة على الفور.
أما القاعة المركزية التى كان يجلس بها السادات والجمسي وأحمد إسماعيل والشاذلي، أسفلهم يوجد خريطة تسمى بخريطة العمل، يعرض بها كافة المواقف من الجيوش، تحديدًا موضع العدو واتجاهاته وتحركاته، وأنا كنت محظوظ إني أجلس على سدة الخريطة، والتحكم فى كل شىء، وأثناء حرب أكتوبر بالتأكيد كان لى عظيم الشرف، وأنا كنت الوحيد الذى يتواجد داخل المركز، لأننى رأيت الحرب من بدايتها إلى نهايتها.
◄ ذكرت فى السابق أن بدون حرب الاستنزاف لم نكن ننتصر في حرب أكتوبر؟
بالطبع نحن استمرينا 6 أعوام في حرب الاستنزاف، وأثناء الحرب كنت على الخط الأول بجانب البحيرات، وقتها كنت قائد سارية و200 متر عرض القناة خط بارليف، العلم الإسرائيلى يرفرف أمامى على أرضنا، ونحن نريد التحرر، وفي المقابل اتهزمنا فى سيناء، إذن كان قمة الاستفزاز.. وكانت تراودنا العديد من التساؤلات: يارب نهجم ولا ايه؟.. وكنا نصلي تحت الأرض صلاة الظهر، فالجمسى قال لنا: «تفتكروا بعد ما نعبر ممكن نكمل للمضايق»، الله يرحم اللواء بري، قال له يا فندم مش لما نعبر الأول، الحقيقة لم نكن نتخيل أن العدو الإسرائيلي الذي ضربنا وهزمنا فى 67، سوف يجىء اليوم الذى ننتصر عليه.

آنذاك وضعنا الخريطة الخاصة بالهجوم أمامنا، تسمى «الخطة جرانيت المعدلة»، وبالفعل استعددنا، ثم دخل الرئيس السادات علينا بهيبته وعظمته، ومعه عساكر يحملون الصواني بالأكل والعصائر، كنا وقتها 10 رمضان وصائمين، وقال: «يا ولادي بلغو كل ظباطنا وعساكرنا في الجبل أن المفتي أعطى لنا رخصة بالإفطار في رمضان، لأننا في حالة حرب، نحن ندافع عن بلدنا».. لم أصدق وقتها أنه حان الوقت لبدء الحرب، إلا عندما نظرت إلى الشاشة أمامي وجدت 220 طائرة تعبر ودخلت سيناء.
◄ مؤكد أثناء الحرب سمعت العديد من الأخبار المفرحة المليئة بالأمل؟
بالتأكيد أحلى خبر سمعته أثناء الحرب كان الساعة الثانية والربع، عندما أرسل قائد القوات الجوية الإسرائيلية إشارة للطيارين، ونحن ترجمنا فحواها «ممنوع تقتربوا من قناة السويس 15 كيلو»، وقتها قولت نحن سننتصر، لأننا سنعبر ولم تتواجد القوات الاسرائيلية فى مواجهتنا، فبالتالى كان بسهولة علينا نعبر الموجات الأولى والثانية، والطيار الاسرائيلي لم يدخل، بالرغم من قوتهم، أما الخبر الآخر فهو مؤثر وليس سعيد بل أعتبره مؤثر جدًا، وكان فى حدود الساعة الثالثة والنصف، عندما جاءنا خبر استشهاد عاطف السادات شقيق الرئيس السادات فى الضربة الجوية، أعلى مطار المليز، وخرج بالفعل السادات ليبلغنا قائلا: «استشهد عاطف السادات»، وهو كان أقرب واعز صديق وابن وشقيق لي، وبدأنا نرفع العلم، ثم رويدًا رويدًا بدأنا نستشعر ملامح النصر، وهذا بفضل التخطيط الممتاز.
◄ ذكرنا أكثر من مرة سيرة الرئيس السادات.. كيف أثر عليك كضابط؟
السادات صاحب قرار الحرب والسلام، وذلك لسببين أولهما حرب أكتوبر، والثانى السلام عندما ذهب إلى إسرائيل، ووقع فيما بعد على اتفاقية «كامب ديفيد»، ولكننى من وجهة نظرى أرى أن القرار الذي اتخذه الراحل الرئيس السادات بطرد الخبراء الروس من مصر، لا يقل أهمية عن قرار الحرب. وبالفعل اعتبره من أهم قرارات السادات، لأنهم إذا بقوا وقتها كانوا سوف ينسبون خطة الحرب لهم، وأنهم شاركونا فيها.
إلى جانب ذلك، أن ما جعل السادات يتخذ هذا القرار، هو رفضهم مساعدتنا بالأسلحة الهجومية، مع العلم أن روسيا فى وقت من الأوقات كانت تقوم بإمدادنا بالأسلحة.
اقرأ أيضا| حوار| قائد معركة مضيق وادي سدر: كفاءة رجال الصاعقة دمرت خطوط العدو
ونظرًا أن السادات كان يتميز بالحنكة والذكاء، لأن ما فعله كان بمثابة أحد أساليب الخديعة في حرب أكتوبر، وقبلها بثلاث أشهر أرسل السادات أحمد حافظ إسماعيل مستشار الرئيس للأمن القومي - آنذاك - لمقابلة هنرى كسنجر، وهو كان فى هذا التوقيت الأفضل فى العالم أجمع، لأنه استطاع إدارة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وبين أمريكا. كما أخرج أمريكا من مستنقع فيتنام بعد ما فقدت 59 ألف شاب إلى جانب أنه وزير الخارجية الوحيد الذى حصل على جائزة نوبل لمدة 11 عامًا.

بالفعل قابل حافظ إسماعيل هنري كسنجر، بناء على طلب السادات قائلا: «إحنا تعبنا والروس رافضين إمدادنا بالأسلحة الهجومية وإسرائيل متفوقة علينا في السلاح، وإحنا مش هنقدر بالشكل ده نهاجم، والطلبة قالبين الدنيا علينا في مصر.. ومن فضلك حللنا المشكلة بقوتك.. انت حليت مشكلة فيتنام حللنا المشكلة.. اقعد مع إسرائيل وحلها».
كسنجر وقتها «بلع الطُعم»، ويوم 6 أكتوبر كانت الخديعة الكبرى ونجحنا، ففي صباح يوم 6 أكتوبر كانت إسرائيل المفروض تعبأ الاحتياطي، ولكن لم يحدث ذلك، لأن كسنجر أكد على أن المصريين لم يهاجموا، وبالفعل كان أحسن قرار اتخذناه وهجمنا على إسرائيل، ونحن كنا نتدرب باستمرار وكانت حرب الاستنزاف بالنسبة لنا إضافة.. والسادات كان دائمًا على حق، فقد كان ذو فكر صائب ووعى وبُعد فقد كان عظيم بكل المقاييس وصاحب كاريزما عالية.
وتابع: «عشت داخل غرفة العمليات لحظات النصر، بدءًا من نجاح الضربة الجوية، ثم اقتحام الجنود المصريين القناة في القوارب المطاطية 12 موجة وسقوط نقاط خط بارليف، ورفع العلم المصري عليها، وقيام قواتنا بصدر احتياطيات العدو المدرعة التي تحاول تدميرها بعد عبورها القناة، ثم جاء الليل لتبدأ الكباري في العبور، وجاءت الدبابات والمدفعية خلال ثلاثة أيام، أصبح لدينا 200 ألف مقاتل على الضفة الشرقية لأرض سيناء الغالية».
وسط هذا الزخم من الأحداث السعيدة والمؤثرة مؤكد كان للمرأة دورًا داعمًا أثناء الحرب.. ما تعليقك؟
بالطبع خلف جيش مصر العظيم كانت تقف جميع نساء الوطن، وأن جاز التعبير فهي «جندي مجهول»، بالفعل فكانت من تقوم بتولي رعاية الأسرة بأكملها أثناء غيابنا، فقد كانت تقوم بدور الأم والأب فى كل شىء حتى اأناء التهجير، هي من كانت تتحمل المسؤولية كاملة، لا ننسى أيضا دور الفنانات فقد كانت الفنان نادية لطفى تأتى إلينا وفى يدها ما لذ وطاب من الأطعمة لدعم الجنود والظباط على خط النار.

وفي نهاية الحوار، قال الخبير الاستراتيجي اللواء دكتور سمير فرج، إن حرب أكتوبر غيرت مجرى التاريخ، ليس في مصر فقط ولكن في العالم، مشيرًا إلى أنها غيرت من مفاهيم العلوم العسكرية والاستراتيجية في العالم قائلا «يجب أن نفتخر بهذا».
وأكد أن حرب أكتوبر المجيدة، لازالت تدرس حتى اليوم في المعاهد والكليات العسكرية، رغم مرور نصف قرن على أحداثها.


بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية
نقلة نوعية للقطاع الصناعي.. صندوق جديد لتمويل الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي
منذ 2500 عام.. كيف وصلت توابيت مصرية إلى تركيا؟







