«إن تحديد الوقت المناسب لاتخاذ القرارات التنبؤية أو عدم اتخاذها هو إحدى أصعب المهام بالنسبة إلى فلاسفة وقادة الحرب».. هكذا كتب كارل كلاوزفيتز أحد أباء المنظرين العسكرين فى العصر الحديث.. محاولاتٌ كثيرة خرجت لفهم الحرب وتعريفها واختلف بشأنها الكثير من المفكرين والفلاسفة لكن «كلاوزفيتز» لديه نظرية هامة تقول «إن الحرب هى أداة عقلية منطقية للسياسة الوطنية».. الكلمات الثلاث: «عقلية» «أداة» «وطنية» هى المفاتيح الأساسية للنظرية. وبهـذه النظرة فـإن قـرار الحرب يجب ان يكون أولاً: «عقلياً ومنطقياً» بمعنى استناده على تقديرات تكلفة الحرب ومكاسبها. ثانياً إن الحرب يجب أن تكون «أداة أو وسيلة» بمعنى أنه يجب إعلانها لتحقيق أهداف معينة وليس لذاتها.
وأخيراً إن الحرب يجب أن تكون «وطنية» بمعنى أن الجهد الكلى للأمة يجب ان يعبأ لخدمة الأهداف العسكرية والمجهود الحربى.. وغدا وبعد مرور 51 عاما على حرب أكتوبر المجيدة يمكن أن نرى كيف حقق الزعيم الراحل محمد أنور السادات العلامة الكاملة لتحقيق المراد من مفهوم الحرب.. وإذا قرأت الكتب العسكرية تجد أن هذا الرجل استوعبها جميعا وخرج منها بفلسفته الخاصة العبقرية التى تحولت فيما بعد الى نموذج للحروب الحديثة المعروفة باسم الحروب «اللا متماثلة» حيث يحاول الطرف الأقل فى إمكانات التسليح تطويع ما يتوافر له من عتاد وجنود وتكنولوجيا لتحقيق إنجازات كبيرة ومكاسب متعددة بالإضافة إلى محاولته حرمان عدوه صاحب الإمكانات الهائلة والأدوات الحديثة تحقيق أهدافه.
إن عبقرية السادات لم تكن فقط فى المعركة بل أنه واجه الضغوط الداخلية والخارجية الكبرى دون انكسار.. الكثيرون كانوا يشككون فى قدرته على قيادة الجيش للانتصار.. وزير خارجية الولايات المتحدة هنرى كيسنجر قال وقتها «نصيحتى للسادات أن يكون واقعيًا، فنحن نعيش فى عالم الواقع، ولا نستطيع أن نبنى شيئًا على الأمانى والتخيلات.. والواقع أنكم مهزمون، فلا تطلبوا ما يطلبه المنتصر، لابد أن تكون هناك تنازلات» لقد درس السادات العقل السياسى الإسرائيلى جيدا وخطط لشن حرب من نوع يختلف عن النوع الذى فكر فيه الصهاينة.. قال السادات «إن مصر لا تحتاج لشن حرب تحرير سيناء من خليج السويس إلى خليج العقبة ولكنها تحتاج إلى إجبار الإسرائيليين على اكتشاف أنه لا يمكنهم مواصلة الاحتفاظ بسيناء بلا تكلفة وأن التكلفة التى سيتحملونها فى سبيل ذلك ستكون قاسية».. هذه هى خطة حرب أكتوبر العبقرية التى انتصر فيها الجيش المصرى بلا منازع والتى استكملها بمبادرة السلام وعادت بها لمصر كامل سيناء.
لقد أخذ السادات القرار الشجاع والصائب بخوض معركة العبور خطط بحكمة لشن حرب محددة الأهداف العسكرية بالتنسيق مع سوريا من أجل تغيير المعادلة السياسية وتهيئة المناخ لإجراء مفاوضات عربية-إسرائيلية متطلعاً أن تنتهى حتماً بإعادة الأراضى المصرية المحتلة كما سعى إلى تلبية الطموحات الوطنية للشعب الفلسطينى وتحقيق مكتسبات تضمن جزء كبير من حقوقه المسلوبة فى توقيت كان القرار الأمريكى مؤثرا على تل أبيب لكنه واجه معارضة عربية لم تستوعب تلك الرؤية المستقبلية للسادات.. وبعد 51 عاما نرى المزيد من الأراضى الفلسطينية واللبنانية المحتلة ومطالبات بنصف ما كان يسعى له السادات وزعماء رحلوا دون أن يحققوا سوى خيبة الأمل لشعوبهم فى الوقت الذى وصفوا به السادات بما ليس فيه.
اليوم نتوجه بتحية تقدير وعرفان لأبطال أكتوبر وللجيش المصرى الذى فاق أداؤه العسكرى كل التوقعات الدولية نتيجة الدور البطولى لرجاله الأوفياء تحت قيادة المشير أحمد إسماعيل والفريق سعد الدين الشاذلى وجهد وتضحيات لا تنسى لضباطها وجنودها من أعلاهم رتبة إلى أصغر جندى.. قوات قهرت حائط بارليف وخطوطه المنيعة وكسرت شوكة الغرور الإسرائيلى بأداء عسكرى رفيع المستوى لايزال يتم تدريسه فى كل الأكاديميات العسكرية حول العالم.. تحية لأبطال مصر سياسيين ودبلوماسيين وتحية للشعب المصرى النبيل فى هذه الذكرى الخالدة لحرب مجيدة غيرت الواقع وشكلت المستقبل الذى نعيشه اليوم.
■ عمرو جلال
الموجة الحارة تنعش الشواطئ بالإسكندرية وفايد
انطلاق ماراثون امتحانات الإعدادية| استبعاد رئيس لجنة فى القليوبية.. وتحذير من صفحات الغش
وزير الدفاع: الشباب أمل مصر وسر نهضتها







