■ كتب: محمد نور
تُعد وزارة الأوقاف الأغنى بين مؤسسات الدولة في مصر، وذلك وفقًا لحجم أملاكها من الوقف، حيث يُقدر حجم المحفظة المالية لوزارة الأوقاف بنحو تريليون و37 مليارًا و370 مليونًا و78 ألف جنيه، وفق بيانات الوزارة مؤخرًا، لكن هذه الأملاك لا تجد من يُعيد تنظيمها واستثمارها والاستفادة من عوائدها، وتتنوع أصول الأوقاف ما بين أراضٍ زراعية تقدر بـ759 مليارا و181 مليون جنيه، وثروة عقارية بقيمة تقديرية تبلغ حوالى 137 مليار جنيه، وأرض فضاء تقدر قيمتها بأكثر من 141 مليار جنيه، ووفقًا لنفس البيانات، فإن أملاك الأوقاف التى يصفها علماء الدين بأنها «مال الله» تُمثل رُبع ثروة مصر العقارية.
الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أكد ضرورة وأهمية الحفاظ على مال الوقف وحسن إدارته في ظل قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وذلك خلال اجتماعه، بقيادات هيئة الأوقاف مؤخرًا، مُشيرًا إلى ضرورة اعتماد الأمانة والكفاءة والنزاهة في تحصيل مُستحقات الهيئة لدى الغير، مُهيبًا بالعاملين بهيئة الأوقاف المصرية بضرورة القيام بكل المهام الموكلة إليهم على أكمل وجه، وبذل كل مجهود مُمكن حتى نرتقى بهيئة الأوقاف المصرية، مؤكدًا على مواصلة العمل الدؤوب، والإنجاز المُتتابع فى تحقيق الأرباح والإيرادات، مع اتخاذ الإجراءات العاجلة لإزالة أى تعدٍ على الوقف، وسرعة تحصيل أية متأخرات مالية لصالحه.
◄ مواصفات رئيس الهيئة
ويتم اختيار رئيس هيئة الأوقاف، المُشرف على أملاك الأوقاف من بين أعضاء الهيئة، حيث يتم تعيين من يتمتع بالكفاءة والخبرة لهذا الموقع المُهم، وعلى مدار السنوات الأخيرة يتم اختيار رئيس هيئة الوقف من بين المهندسين والمحاسبين، غير أن الخبير الاقتصادي، ناجي السيد حسن، يؤكد أن رئيس هيئة الأوقاف، يحتاج لعدة مقومات أبرزها أن يتمتع بخبرة اقتصادية تُتيح له استغلال هذه الأملاك فى الاستثمار، وتحقيق عائد كبير يعود بفائدة على الأعمال التى تقوم بها وزارة الأوقاف، لافتًا إلى أنه يشترط فى رئيس الهيئة أن يكون اقتصاديا فى المقام الأول وليس مُجرد موظف.
وعن كيفية إدارة أموال الأوقاف، يُحدثنا الشيخ جابر طايع، وكيل وزارة الأوقاف سابقًا، مؤكدًا أن 15% من الإيرادات تذهب لأجور العاملين، وعددهم نحو 6 آلاف و660 موظفًا، و10% لتطوير وتنمية الموارد سنويًا، و75% من الإيرادات فى أعمال البر والخير، ومُساعدة الفقراء، وبناء المساجد، وتجديدها، ولكن لا يوجد حصر دقيق لحجمها، مُشددًا على أن جميع أموال الأوقاف تخضع لرقابة وزارة المالية، وأن الحفاظ على مال الوقف واجب وطنى ودينى وشرعى.
ورغم ضخامة حجم تلك الأموال، إلا أن رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف الأسبق، المُهندس صلاح جنيدي، يُشكك فى صحة هذه البيانات، مؤكدًا لـ»آخرساعة»، أنه ليس هناك حصر دقيق لهذه الأملاك، موضحًا أنه عندما كان فى الوزارة شكل لجنة لحصر تلك الأموال، إلا أن انتهاء مدته وإحالته للتقاعد حال دون استكمال أعمال اللجنة، لافتًا إلى أنه طالما لا يوجد حصر سابق بتلك الأموال فإذن هناك تعدٍ عليها.
◄ اقرأ أيضًا | «الأوقاف» تفتتح اليوم 14 مسجداً بالمحافظات
◄ التعدي على الوقف
تتسق اتهامات صلاح جنيدي، بوجود تعدٍ على أموال الأوقاف مع ما كشفته الوقائع من قيام بعض المواطنين بالتعدى على أراضى الأوقاف، والبناء عليها بدون وجه حق، فبحسب مصدر بوزارة الأوقاف، طلب عدم ذكر اسمه، فإن التعديات على الأراضى الزراعية طالت أكثر من عشرين ألف فدان، والمبانى أكثر من 451 ألف متر، فى حين أن التعديات على الأرض الفضاء طالت نحو 926 ألف متر، ومن أبرزها وقف أرض نادى الزمالك الرياضى على مساحة تسعين ألف متر، ووقف مصطفى عبدالمنان، الذى يُمثل نحو 7% من الأراضى الزراعية فى مصر بمساحة تقدر بـ420 ألف فدان.
يُضيف المصدر، أن هناك أوقافا فى الخارج تمتلكها الوزارة، بالسعودية وتركيا إضافة لليونان، وهذه الأوقاف لا تُقدر بثمن، أبرزها أوقاف محمد على باشا، والمدرسة البحرية التى بناها، التى إذا ما تم استغلالها على نحو صحيح من المُمكن أن تقود نهضة للاقتصاد، كما أوضح المصدر أن هناك أمرا لافتا للانتباه، وهو وجود أموال كثيرة من الوقف تُصرف على الحيوانات، والطيور، وزراعة الأشجار، وتسبيل القبور، وجذب الزوار بتوفير أطعمة لهم.
كانت لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب، قد وافقت من حيث المبدأ على مشروع قانون إعادة تنظيم هيئة الأوقاف المصرية، ووفقًا لخبراء اقتصاديين، فإن وزارة الأوقاف تمتلك حسابات خاصة خارج البنك المركزى، مما يُعد مُخالفة للوائح المالية، التى تقضى بأن تكون حسابات الوزارات والهيئات الحكومية فى البنك المركزى المصرى، وحذر الخبراء من استمرار التعدى على أموال الأوقاف، واصفين إياه بـ«الخطير» لما يُمثله من ضرر بالغ على ثروات البلاد.
◄ قاعدة بيانات
الخبير الاقتصادي، الدكتور هاني توفيق، أوضح لـ«آخرساعة»، أنه رغم إعلان الوزارة عن حجم أملاك الأوقاف، إلا أنها لا تمتلك قاعدة بيانات تفصيلية دقيقة عن حجم هذه الأملاك، كما أنها لا تُديرها بشكل يُحقق عائدًا قويًا بما تعكسه القيمة السوقية لهذه الأملاك، مُطالبًا بإنشاء شركة مُتخصصة تقوم بإدارة أصول هيئة الأوقاف، مع توكيل بعض الخبراء الاقتصاديين لإدارة شئونها داخل إطار وزارة الأوقاف، أسوة بصناديق الاستثمار الناجحة، مُشددًا على ضرورة إصلاح الهيئة وإدارتها كهيئة اقتصادية استثمارية، على غرار أكثر من 50 هيئة اقتصادية أبرزها هيئة قناة السويس، مُستشهدًا بتجربة نجاح وزارة الأوقاف في إدارة صندوق استثمار فى البورصة، الذى تحول من تحقيق خسائر بـ200 مليون جنيه، لتحقيق أرباح تتراوح بين 300 لـ400 مليون جنيه، وذلك بعد إدارته بشكل سليم من قبل خُبراء واقتصاديين.
توفيق، أوضح أن جميع إيرادات هيئة الأوقاف تبلغ نحو 2 مليار جنيه، مُعتبرا ذلك «رقما ضئيلا جدًا» مُقارنة بحجم محفظتها، وموضحًا أن المشكلة تكمن فى عدم الإدارة الاقتصادية رغم الجهود المبذولة فى الفترة الماضية، مُشيرًا إلى وجود 40 ألف حالة تعدٍ على أراضى الأوقاف؛ نتيجة عدم استغلالها، موضحًا أن ذلك يُشجع على التعدى عليها من قبل الطامعين.
من جانبه، شدد سيد محروس، رئيس هيئة الأوقاف سابقًا، على أن الهيئة تحرص كل الحرص على أموال الوقف، وهُناك مُتابعة مُستمرة فيما يخص استيفاء الحقوق وأداء الواجبات، وأنها مسئولة عن صرف جميع مُستحقات المُتعاملين مع الهيئة حتى تظهر بصورة لائقة، مُشيرًا إلى أن هيئة الأوقاف تعمل على استثمار أموال الوقف، وتتبنى فكرًا استثماريًا مُتطورًا، وحريصة على الحفاظ بشكل كامل على أملاك الوقف، وإعداد خطة لتنظيم العائدات منها وزيادتها وتحويلها لركيزة اقتصادية.
◄ رجال الدين: الاعتداء على الوقف حرام شرعًا
فقهيًا، يُبين الشيخ مصطفى عبد الهادي، من علماء الأزهر الرأى الفقهى فى التعدى على أموال الوقف قائلا: لا أحد يمتلك الحق فى التصرف فى أموال الوقف دون الرجوع لأصحابها، وذلك استنادا إلى نص القاعدة الشرعية التى تقول إن «شرط الواقف كنص الشارع»، مضيفًا أن الأصل كل ما يوضع وقفًا لله تعالى يطبق عليه أحكام الوقف، والوقف فى الشريعة الإسلامية له أحكام وشروط خاصة تجعل من الشيء الموقوف مسبّل المنفعة للموقوف عليهم، غير مملوك لأحد، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يستعمله فى أموره الشخصية أياً كان.
الدكتور رمضان محمد حسان، عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، يؤكد أن مال الوقف هو مال الله، وأن من يقوم باستغلاله والاعتداء عليه سواء للتربح أو تحقيق مصالح شخصية فهو حرام شرعًا، موضحًا أن الوقف عبارة عن أملاك أو أراضٍ، وأن من يقوم بالتصرف فيها سواء عن طريق البيع أو الشراء أو عن طريق التقسيم أو بالبناء أو بالإيجار والانتفاع بغير وجه حق فهو حرام شرعًا، وبالتالى فإن حق هذا المال لا يسقط بالتقادم، وأن الاعتداء عليه أو تسهيل الاستيلاء عليه أو الإهمال فى حقه وعدم المحافظة عليه إثم وجرم كبير، مُضيفًا أن أموال الأوقاف موقوفة على أشياء معلومة حددها الواقف سلفًا، فإذا ما استخدم الوقف فى غير الغرض المُخصص له يكون من قام بالاعتداء عليه آثم أمام الله، ومن ثم لا يجوز التربح من مال الوقف إلا بالعقد المشروط من الجهة الوكيلة عن الوقف مُمثلة فى وزارة الأوقاف وهيئاتها.
يرى الدكتور عبد الفتاح محمد خضر، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، أن الأوقاف على شرط واقفيها، وأنها مُتعددة فهناك من يقف على إنارة الشوارع والمساجد، وهناك من يقف على إطعام القطط والكلاب، والأربطه العلمية للطلاب الفقراء إلى غير ذلك من الوقف، ومن هنا فمن حق الواقف أن يشترط ومن حق الآخذ لهذا الوقف أن ينجزه فى محله الذى وُقف عليه، وإذا بدّله أو غيّره فبإذن الواقف، هذا إذا كان حيًا أما إذا كان توفاه الله فهذا الوقف للمنفعة العامة، مُضيفًا أن من يستغل الأوقاف للتربح أو تحقيق مصالح شخصية فهذا حرام شرعًا وأكل للمال بالباطل، والنبى المصطفى توعد من يفعل هذا بأنه لن يدخل الجنة، ولن يشم رائحتها لأنه استحل مال امرئ مُسلم بغير رضاه فقد حرم الله عليه الجنة وأحل له النار، موضحًا أن المُتصرف فى الوقف أو المُتعامل مع هذا الوقف من الباطن دون إذن وزارة الأوقاف أو الهيئة المُشرفة عليه فهو آثم شرعًا، فيجب المُحافظة على مال الأوقاف كما نُحافظ على ديننا أولًا لعدم أكل الحرام، وثانيًا لتشجيع من يقوم بالوقف مُستقبلًا.
بعد تحقيقه 213 مليون جنيه.. أزمة «برشامة» تشعل البرلمان
بحجة «موافقة الوزارة».. زيادات كبيرة بمصروفات المدارس الخاصة
السيد زعبوط: أسعى لمحاربة الأورام بإعادة برمجة المناعة







