المهندس محمد أبو سعدة فى حوار عن الهوية البصرية :التنسيق الحضارى.. واجهة مصر

المهندس محمد أبو سعدة خلال حواره مع «الأخبار»
المهندس محمد أبو سعدة خلال حواره مع «الأخبار»


«الجهاز القومى للتنسيق الحضاري».. من أهم الجهات المنوط بها الحفاظ على جانب مهم من التراث المصرى وتوثيقه، يعمل فى صمت ليحقق المزيد من الإنجازات فى مختلف المحافظات، ويهدف إلى تحقيق القيم الجمالية للشكل الخارجى للأبنية والفراغات العمرانية والأثرية وأسس النسيج البصرى للمدن والقرى وكل المناطق الحضارية للدولة، بما فى ذلك المجتمعات العمرانية الجديدة، وقد تبنى الجهاز مشروعات ضخمة للحفاظ على ذاكرة المدن المصرية، بداية من المبادرة الأشهر «عاش هنا»، مرورًا بـ»حكاية شارع»، وصولًا للجولات التراثية.  «الأخبـار» التقت المهندس محمد أبو سـعدة رئيس جهاز التنسيق الحضاري، للتعرف على تفاصيل المبادرات التى أطلقها الجهاز، وكيف استثمر نجاحاته، وأحدث مشروعاته خلال المرحلة القادمة.. وإلى تفاصيل الحوار:

أطلق جهاز التنسيق الحضارى العديد من المبادرات.. حدثنا عنها؟
بدأ الجهاز مبادراته بـ«ذاكرة المدينة» وهو مشروع ضخم ينقسم لثلاث مبادرات، الأولى هى مبادرة «عاش هنا» التى وثقت الأماكن التى عاش بها نحو ألف شخص من رموز المجتمع، ولم نعتمد فى هذه المبادرة على توثيق منازل المثقفين والفنانين فقط، ولكن ضمت أبطالا من الجيش والشرطة والأطقم الطبية فترة كورونا، وذلك بالتنسيق مع وزارة الصحة لأن هؤلاء أبطال يستحقون توثيق أسمائهم، كما بدأنا فى التعاون لأول مرة مع المجلس القومى لذوى الإعاقة، من أجل اختيار مجموعة من الشخصيات المبدعة والمؤثرة من ذوى الهمم والتأثير، الذين أسهموا فى إثراء الثقافة المصرية حيث سيُرشح المجلس أسماء وشخصيات لإدراجها فى مشروع «عاش هنا» للاحتفاء بهذه الأسماء، وأول شخصية سيتم إدراجها هو د. عبد الحميد يونس، رائد الأدب الشعبي، وعلى التوازى توجهنا لأكثر من محافظة بالمبادرة الثانية «حكاية شارع» التى وثقت تواريخ أكثر من 300 شارع فى عدة محافظات بلوحات مدمج بها تقنية المسح الضوئى للتعريف بتاريخ الشارع، والجزء الثالت من ذاكرة المدينة هو الإصدارات المطبوعة التى وثقت المناطق ذات القيمة فأصدر الجهاز كتابا عن تأثير العمارة الأوروبية فى وسط المدينة، وأعمال الإيطاليين فى وسط المدينة، وكتاب عن جزيرة الزمالك، وآخر عن واحة سيوة، تلاه كتاب عن مصر الجديدة، وجاردن سيتى والهدف من تلك السلسلة تعريف الجمهور بتاريخ تلك المناطق وتوعيته من أجل الحفاظ على هذا التراث.

اقرأ أيضًا | «بداية».. ملحمة وطنية ..أنشطة مكثفة فى المحافظات ضمن فعاليات المبادرة

مبادرة جديدة
كيف تستثمرون نجاح تلك المشروعات؟
قررنا استثمار ذلك النجاح بإطلاق مبادرة جديدة وهى «الجولات التراثية»، التى تعد جمعا لأفكار المبادرات الثلاث السابقة، وتتم من خلال إجراء جولات ميدانية للجمهور مصحوبة بخريطة لتلك الأماكن، وقد تم تنفيذ جولات بالفعل وأول جولة كانت فى «جزيرة الزمالك»، وتتوافر خريطة الجولة على المنصة الإلكترونية للجهاز ويتاح طباعتها أو شرائها من المنافذ، وتكون الجولة مدتها نصف ساعة تبدأ من قصر عائشة فهمى وتنتهى عند منزل إسماعيل ياسين مرورا بشقة أم كلثوم، وكل نقطة يصل إليها الزائر يجد معلومة عن الشخص والمكان مدونة على الخريطة، كما يتوفر خاصية المسح الضوئى لتلك الجولة، للتعرف على تفاصيل أكثر عن المكان أو الشخص أو الشارع، ويتم تصوير فيديو للجولة ونشره على المنصة الإلكترونية الخاصة بالجهاز.



ما آخر مشروعاتكم مع اليونسكو؟
نتعاون مع منظمة اليونسكو لاستكمال المرحلة الثالثة فى قرية حسن فتحي، فالمرحلة الأولى من القرية كانت تشمل الخان والمسجد وقصر الثقافة، والمرحلة الثانية تشمل البيوت التى بدأت تؤثر سلبا على القرية، وتم إعادة بناء بيت حسن فتحى وإعداده ليصبح متحفًا لمقتنياته .

فى الفترة الماضية كثُرت سرقة لوحات «عاش هنا».. كيف تواجهون ذلك؟
طبعا واجهنا سرقة اللوحات خلال الفترة الماضية، وتوقعنا سبب السرقة لأن بها خام النحاس فقررنا تغيير الخامة بمادة شبيهة بالنحاس ولكنها بلاستيك، وإلى الآن لم تسرق مرة أخرى.

ذاكرة المدينة
خلال تنفيذكم لمشروعات التوثيق.. ما أبرز المواقف التى تتذكرها؟
على الرغم من بساطة تلك المشروعات، فإنها تسهم فى ذاكرة المدينة، فعند تطويرنا لمنطقة «وسط البلد»، كان لدى تجربة جميلة جدا ولمست قبول واستحسان المواطنين للفكرة فى ممر الشريفين الذى يتواجد به الإذاعة القديمة، ويربط بين شارع جواد حسنى وقصر النيل وصولا لشارع عبد السلام عامر، وحينها وجدت سكان الشارع لا يعرفون من هو صاحب الاسم، وعندما تم تعليق اللوحة قاموا بعمل مسح للكود ليفاجأوا أنه كان رئيس العراق فى فترة من الفترات السابقة، وكانت تربطه علاقة قوية بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر لذلك سمى أكثر من شارع فى مصر باسمه، واستوقفنى أحد أصحاب المحلات ليروى لى أنه لم يكن يعلم مَن هو عبد السلام عامر واللوحة ساعدته لمعرفته، وهذا هو الهدف الرئيسى للمبادرة والمشروعات التى تتم فى «وسط البلد» تساعد على بث روح الانتماء والفخر وتحافظ على ذاكرة المدينة .

التنسيق الحضارى لم يقم بترميم الأثر، ولكنه يرمم الهوية ويحافظ عليها.. كيف ذلك؟
نحن لسنا معنيين بالمبانى كحجر فقط، ولكننا معنيون بالمحيط العمرانى للمبانى وشكل المدينة والهوية المصرية، وفراغاتها العامة لذلك أطلقنا مسابقات لتطوير الميادين نتج عنها تطوير العديد من الميادين الهامة فى العديد من المحافظات مثل ميدان المحطة بطنطا، ومسجد السيد البدوى والمنطقة المحيطة به ومحطة القطار التاريخية هناك، وميدان المحطة وشارع النبى دانيال بالإسكندرية.

وبالطبع لا نستطيع الوصول لكل أنحاء الجمهورية فى لحظة واحدة ولكننا نعمل الآن فى محيط ومسجد سيدى إبراهيم الدسوقى فى كفر الشيخ، وما ننجزه بخلاف المبادرات واللقاءات والدعم لكليات الهندسة التى تشارك معنا فى الندوات وورش العمل، إلا أن هناك مشروعات رائدة ويهمنا بشكل كبير دعم الخريجين من كليات الهندسة لأننى أعتبرهم صناع تراث المستقبل، فأى مبنى سيتم بناؤه اليوم سيشكل قيمة فى السنوات القادمة، وأتمنى أن يجد مَن يجلس مكانى بعد خمسين سنة ما يستحق تسجيله كتراث معمارى وحضارى يجب الحفاظ عليه لأنه سيمثل تطور الحضارة المصرية، وعليه يجب أن يكون خريج كلية الهندسة مستوعبًا لمفردات الحضارة المصرية، ويجب أن يكون مدركًا لحساسية المناطق التاريخية، والرؤية فى العمارة التى يبنيها لتستحق أن تصبح تراثًا، كما ترك لنا الرائد الراحل حسن فتحي، وبالفعل شهدت ذلك من خلال مشاركتى فى تحكيم العديد من المسابقات، ووجدت الكثير من الشباب الذى قدم تصميمات أكثر من رائعة وهو ما أجده أمرًا مبشرًا بكوادر شباب المهندسين.

الطابع المعمارى
البعض يرون أن دوركم متشابه مع وزارة الآثار.. فما الاختلاف؟
نحن نخضع لقانون مختلف عن قانون حماية الآثار، فنحن معنيون بالمبانى ذات الطابع المعمارى المتميز، التى تكون فى الغالب تم بناؤها فى العصر الحديث أى فى نهايات القرن التاسع عشر، ولا بد أن يكون المبنى ذا طابع معمارى متميز ويمثل حقبة حديثة، مرتبط بشخصية تاريخية ويمثل مدرسة معمارية نادرة وطابع معمارى يستحق الحفاظ عليه مثل ما حدث فى قرية «القرنة»، التى أنشأها المعمارى الكبير الراحل حسن فتحي، كما أننا نوثق المناطق ذات النسيج العمرانى الذى يستحق الحفاظ عليه مثل منطقة وسط المدينة بالقاهرة، وواحة سيوة بالحفاظ على طبيعتها وعدم السماح بتدخل مبانٍ تغير تلك الطبيعة، لذلك فنحن نعمل على المناطق ذات القيمة وليست الأثرية وعلى المبانى ذات الطابع المعمارى المتميز مثل جاردن سيتى ومصر الجديدة.

توثيق بالصور
ما الأرشيف القومى للمبانى التراثية.. وماذا يقدم؟
أول شيء نحتاجه لكى نعمل فى الترميم والحفاظ على المبانى التراثية هو توثيق ما لدينا من خلال الرسم الهندسى والتوثيق بالصور والمعلومات، ولذلك قمنا بإنشاء ذلك الأرشيف منذ بداية العمل على مبانى منطقة القاهرة الخديوية وأصبحت لدينا قاعدة بيانات بكل المبانى التى تم تسجيلها، وهذا الأرشيف يوضح كل التفاصيل بداية من سبب تسجيل المبنى ومسحه بأجهزة متخصصة لرفع المساحات وتم تنفيذ ذلك بمبانى «وسط البلد» وكانت له فائدة كبيرة، لأن هناك تماثيل فُقدت فى واجهات بعض المبانى ونتيجة هذا المسح استطعنا استرجاعها، بالإضافة إلى تسجيل كل بيانات المبنى من حيث المساحة وبيانات المهندس، الذى قام ببنائه بالإضافة إلى بيانات مالكه.

أحد أهدافكم هو تحسين الصورة البصرية للمدن المصرية.. فكيف تقومون بذلك؟
نقوم بذلك من خلال مواجهة السلوكيات الخاطئة بعدة طرق، منها إطلاق ندوات توعوية فالتنسيق الحضارى لم يكن رفاهية، ولكنه يهتم بالسلوك لتوعية الجمهور بجودة الحياة وعلاقتها بالتنسيق الحضاري، فإذا كان المواطن يتوجه لعمله مرورا بشوارع منسقة ونظيفة بالتأكيد سيؤثر ذلك إيجابا عليه والعكس، لذلك دائما نطلق شعار «معًا لحماية تراثنا»، فالجهاز وحده لن يستطيع ولكن بمشاركة المحليات والمحافظات ووزارتى الإسكان والبيئة والمجتمع المدنى سنستطيع جميعًا العمل، ولكن الجهاز وحده دوره يقتصر على وضع الضوابط والمعايير التى يجب أن يكون عليها المكان، وفيما يتعلق بالهوية وضعنا رؤية عامة لكى يكون لدينا سمة وطابع معمارى متميز لكل إقليم من الأقاليم السبعة من حيث الألوان ومفردات المبانى ووضعنا إطار وخطوط عامة لذلك، واجتمعنا مع المحافظات بشكل عام ووزارة التنمية المحلية، وبدأت الخطوات التنفيذية للحفاظ على الهوية البصرية فى المحافظات بتطبيق كل محافظة للمعايير المتفق عليها، كما تم عقد اجتماعات فى الكليات الإقليمية بالمحافظات لكى تكون هناك سمة محددة لكل مبنى يجب الالتزام به ليس فقط الارتفاع والأشياء المعمارية الجافة ولكن الشكل العام والتصميم المتناسب مع البيئة، كما قمنا بتنظيم ندوات لطلاب المدارس فى مقرنا بالقلعة ونستقبل كل رحلات الطلبة التى تزور القلعة لنشرح لهم تسلسل الحضارة المصرية، ونقدم ورش عمل للأطفال للتعامل مع فكرة الحفاظ على المبانى وحثهم للحفاظ على المعمار والفن المصري، ونناشد المواطنين بضرورة الحفاظ على التماثيل الموضوعة بالميادين فهى ملكيتنا العامة .

طالب الكثيرون أن تكون لافتات المحلات باللغة العربية.. هل يمكنكم فرض ذلك؟
دور الجهاز فيما يخص لوحات المحلات هو تحديد مكانها وتنسيق الألوان مع طبيعة المبنى وحجم الكتابة وعلاقتها بالمبنى، ولكن لا نتدخل فى اختيار الاسم ولا يوجد لدينا قانون يسمح لنا بالتدخل فى لغة الكتابة.

أين تُعرض إصدارات التنسيق الحضاري، وكم تتراوح أسعارها؟
جميع إصدارات الجهاز تباع للجمهور من خلال منافذ قطاع صندوق التنمية الثقافية، وتباع بسعر التكلفة، ويتم رفعها للتصفح المجانى على موقع الجهاز، وذلك للمساهمة فى نشر الوعى ليصبح المواطن شريك معنا فى الحفاظ على المناطق ذات القيمة.