قضية ورأى

الدين بين النص والتراث

جمال أسعد
جمال أسعد


هنا يتحول الإيمان المتأثر بهذا الفكر الدينى وليس الدين إلى أيديولوجية أى حالة فكرية مصلحية وليس حالة إيمانية.

أذا أردنا أن نعرف الدين فسنجد أن هناك تعريفات كثيرة أهمها ذلك التعريف الذى يتواكب مع طبيعة وطريقة وسبيل إيمان الشخص بالدين الذى يعتقده. والإيمان هذا بالرغم من أنه حالة خاصة بين الله وبين الإنسان حيث إن الإيمان فى القلب ولكن لابد لهذا الإيمان من مظهر يؤكد لصاحبه صدق هذا الإيمان وهو العمل الصالح. (الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل)، (ليروا أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذى فى السموات). كما أن هذا الإيمان لابد له فى البداية من أن يكون هناك نص مقدس يعتمد على الوحى الإلهى كهادٍ ومرشد حتى يكون هناك توافق وتكامل بين هذا الإيمان وبين العمل وبين الحياة كلها. لذا فالبداية هنا هو ذلك النص المقدس الذى يرسم طريق الحياة وما بعدها للمؤمن بهذا النص وذاك الدين.

ولكن هل يمكن عمليا وحياتيا أن يعتمد المؤمن الطفل (خاصة وارثى الإيمان) على الاعتماد على النص فقط؟ بالطبع لا. حيث إن الطفل المولود فى منزل يؤمن بدين معين هنا لابد من الطبيعى والمنطقى أن يكون الاعتماد على مصدر الإيمان ليس النص ولكن على ما يتم تلقينه للطفل وهذا ما نسميه بالتربية الدينية الأسرية للطفل. ثم يتطور الأمر إلى تعدد تلك المصادر لهذا الأيمان. فهناك حالة التدين المحيطة (الحالة الاجتماعية والتعليمية والثقافية) التى تتماس سلوكياتها وعاداتها وتقاليدها بالحالة الدينية. ويتوازى مع ذلك ما يتم تلقينه أو تعليمه فى المؤسسات الدينية.

هنا طبيعيا أن يكون لكل مؤسسة دينية تاريخها الخاص وعلماؤها وفقهاؤها ومفسروها ومأولوها ولاهوتيوها وقدسيوها وأولياؤها ومدارسها الخاصة التى تختلف عن المدارس الفقهية واللاهوتية الأخرى وتراثها وعاداتها وتقاليدها. كل هذا أضيف بصورة أو بأخرى للنص المقدس الذى هو الأول والأهم. وكل هذا بخلاف النص المقدس هو ما يسمى بالفكر الدينى.

أى فكر الفقهاء والمفسرين واللاهوتيين للنص المقدس.
وهذا فكر بشرى غير مقدس خاضع للصواب وللخطأ. أى أنه يجب ألا يأخذ موقع المقدس مع النص.

والإشكالية هنا هى حدوث ذلك التداخل بين المقدس وغير المقدس. فكان وسيكون هناك فكر دينى يتوافق مع صحيح الدين بمقاصده العليا وقيمه الأخلاقية والإنسانية التى تعتمد على وحدة الإنسانية والتعددية الدينية والفكرية. وهناك فكر دينى يتوافق ويهدف إلى استغلال الدين والعاطفة الدينية للحصول على مكاسب تنظيمية لتنظيمات سياسية تأخذ الدين طريقاً لتحقيق مصالحها السياسية والذاتية.

مع العلم أن المؤسسات الدينية لابد لها حسب رؤيتها أنها تحافظ على اتباعها ليس من خارج دينها ولكن من داخل الدين الواحد (كاثوليك.. بروتستانت... ارثوذكس... سنة... شيعة... الخ) هنا يتحول الإيمان المتأثر بهذا الفكر الدينى وليس الدين إلى أيديولوجية أى حالة فكرية مصلحية وليس حالة إيمانية. وهذا هو الباب الرئيسى لدخول وازدهار الطائفية والسلوك الطائفى. الذى يسيطر الآن بشكل يمثل خطورة حقيقية على الدين النصى بل على وحدة الوطن ذاتها. حيث إن أى فكر دينى رافض للآخر الإنسانى يؤثر فى علاقة الإنسان بالإنسان وتلك العلاقة هى العلاقة الطبيعية والواجبة بين أبناء الوطن الواحد.

هنا هل يمكن أن نقول إننا نحمل الدين والنص أشياء يجب ألا يتحملها؟ وهل يمكن أن ننظر إلى هذا الفكر الدينى بكل مشتملاته حيث أصبح تراثا تاريخيا موروثا أخذ كثيرًا من القداسة غير الواجبة نظرة نقدية وعلمية فنأخذ من التراث ما يؤكد ويدعو إلى المقاصد العليا الأديان ونترك ما دون ذلك بعيدا عن حالة الخوف من أننا نتعامل مع مقدس وليس فكرا بشريا ؟ الدين عقيدة سامية أرادها الله للإنسان ولصالح الإنسانية ولنترك الحساب والعقاب لله وحده ولا نتدخل فى غير ما أراد الله لنا وللدين وللإنسان ؟ حمى الله مصر وشعبها العظيم.