تجلس على أريكتها، يلعب النسيم ــــ عبر النافذة ــــ بضيفرتها، تبتسم وتلمع العينان الخضراوان بفرحة طفولية وهى تلون أزهارها، أشجارها بلون ضحكتها الصافية، بلون قلبها، ولا تنسَ أن ترسم في جنينتها ولداً وبنتاً متشابكي الأيدي، وتجرى ناحية مس نجوى مُدرّسة الرسم، تسبقها فرحتها، تنط ضحكتها من غمازة خديها ونونية ذقنها الحلوة:
ــــ مس، يا مس رسمي حلو يا مس!
ــــ حلو، حلو قوى، لكن مين دول يا عفريته!
يحمر خديها، تنكسر عيناها خجلا، تخفى كسوفها بكراستها، تتوارى خلف أشجارها، تغمض عينيها، ترفرف بجناحيها، تُحلّق، تسكن الفضاء الرحب.
في حصة الزراعة تجرى، تحمل رشاش الماء، تروى جنينة مدرستها، تغسل شجرة اللبلاب، ولا تنسى شجرة الفيكس حتى يعود لمعان أوراقها، تروى الياسمين وباليد الثانية تحتضن كراستها، رسم جنينتها، ترويها بحنين صدرها، بخفق قلبها لحلمها الآتي.
اقرأ أيضًا| «يوميات فائق وفوقية2» قصة قصيرة للكاتب الدكتور طارق الزيات
حين تنتهي من رشّ الماء، تفرد أحلامها بوسع فناء المدرسة، تفرد رسم جنينتها، تثبت لوحتها على السور الداخلي للمدرسة، تعدل الفروع، تعيد لون أزهارها، تسوى شواشي أشجارها العالية، يفوح عطر ياسمينها، تُحلّق عصافير الربيع، تحط على أشجار رسمتها دون أشجار المدرسة، تنط عالياً، تقفز فرحتها، تفرد جناحيها، تغمض عينيها وتُحلّق في الفضاء الرحب.
تتابع مع زميلات الفصل شرح الدرس، تنظر إلى السبورة، ثم إلى صديقتها، التي تقاسمها نصف الأريكة ونصف الطعام ونصف الأحلام، وهما يرسمان معاً خط المستقبل، تُخفى ابتسامتها ثم تنهض واقفة وهى تشير بإصبع السبابة:
ــــ أنا يا أستاذ! أنا يا أستاذ! تجيب بثقة وهى تنظر عبر النافذة!
صوت ارتطام، انفجار شديد، الجدران تهتز بشدة، زجاج النافذة يتكسّر، الشظايا تتطاير، صُراخ الطالبات يعلو، يدوّى، الدم يسيل غزيراً، تنظر إلى السبورة مرة، ثم إلى صديقتها مرة أخرى؛ لكنها ترفض النظر عبر النافذة.
وكانت لا تزال تقبض على لوحتها التي تلونت بالدماء الساخنة، كانت لا تزال تحتضن حلمها، ترويه، بابتسامتها الصافية، بينما كانت هناك أشباح سوداء تنسل تحت غيمات الانفجارات، وسحب الدخان الأسود، وكان هناك رجال شرطة وحفر غائرة في شارع المدارس، وصرخات ملتاعة وطلقات فارغة ونصف مدرسة، وكراسات تدوسها الأقدام، وأحلام متناثرة وسط الأشلاء الممزقة، وكانت أصوات سيارات الإسعاف تدوّي في الفضاء الرحب، تشق الغيمات الضبابية، تستجدى، تتوسل توسعة الطريق.

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







