من التاريخ الأدبى المسكوت عنه فى الجزائر: هل كان مرزاق بقطاش عدواً لكاتب ياسين؟

مرزاق بقطاش
مرزاق بقطاش


د. ياسين سليمانى

لمرزاق بقطاش كتابان نقديان نشرتهما له المؤسسة الوطنية للكتاب سنتى 1986 و1990 هما على التوالى «الكتابة قفزة فى الظلام» و«خيول الليل والنهار» ولا أدرى مدى معرفة القراء حاليا بهذين العملين العميقين، جمع فيهما عددا من المقالات النقدية الهامة التى كان قد نشرها تباعا فى الصحافة ابتداء من أواسط السبعينيات.

والحقيقة أنّ بقطاش الناقد لا يقلّ أبدا قيمة ولا اتساعا فى المعرفة عن بقطاش المترجم بينما تتدحرج فى رأيى قيمته الروائية والقصصية بدرجة أو درجتين عن الصفتين الأوليين. 

فى خيول الليل والنهار يُعنْوِنُ الرجل واحدا من المقالات بـ»أما آن لهذا الناقد أن يترجل» ويشرّح فيه دور الناقد وأهمية أن يمارس دوره الوجودى الذى من أجله خُلق له وفيه يلاحظ أنّ الناقد تنقصه الجرأة وأنّ أسبابا عدة فى الساحة الثقافية تمنعه من أن يقوم بواجبه ثم يدعوه لأن يكون فارسا «يتجرّأ ويغامر فى الأرض الخصبة أو فى السبخة، فى الغابة الكثيفة أو فى الصحراء، فى الربوة أو فى الجبل فيدلنا على ما تنطوى عليه هذه التضاريس الطبيعية من سلبيات وإيجابيات» لكنه يعلن أن الناقد أو الفارس بتعبيره لا يقوى على هذا لأنه «فى ذلك كله يخشى صاحب الخيمة (المبدع) ليس إلاّ» ثم يصل إلى القول مستنتجا: «اتضح لى أننا فى حاجة إلى أرضية تجمع الأدباء، أرضية تستند إلى الحوار بالدرجة الأولى، ألا ما أغرب أوضاعنا عندما نسوق كلاما مثل هذا! مع أنّ أهل الأدب يفترض فيهم أن يمثلوا الحوارَ نفسه دون أن يسعى أى منهم إلى المناداة بفتحه» ويضع بقطاش علامة تعجب فى آخر هذه العبارة كما سبق وأن وضع مثيلتها فى الفقرة ذاتها ليضيف فى مكان آخر من المقال نفسه «إنها إذن مسألة حوار، مسألة جلوس إلى طاولة المفاوضات بين أهل الأدب».



اضطهاد الشاعر
وفى كتابه «الكتابة قفزة فى الظلام» يناقش سير وأفكار مجموعة من أعلام الرواية والشعر ويأتى واحد من هذه المقالات على ذكر «ماياكوفسكى» فيتحدث بــ«حزن» عن الاضطهاد الذى تعرض له الشاعر إلى آخر أيامه «ولم تكن أعماله الأدبية تصدر إلاّ ضمن نسخ معدودة وكانوا يسحبون كتبه وصوره من المكتبات» ثم ينسب إلى ستالين اعترافا شديد الأهمية بقيمة الرجل «يظل ماياكوفسكى أفضل وأعظم شاعر فى العهد السوفيتى» و«إنّ عدم الاحتفاء بذكراه وأعماله الأدبية جريمة». 

وهذا رأى سليم لا يمكن لمثقف أن يقول بغيره بل لا يمكن أن يقول مرزاق بقطاش ككاتب ومبدع إلا بهذا، فإنّ الدفاع عن قيم الحرية والوقوف فى وجه أشكال المنع والقمع والحصار التى قد تمسّ واحدا من المبدعين أيا كان مكانهم هو دفاع عن ذاته الإبداعية أيضا فإنه أول مستفيد من هذه الحرية وأول المتضررين من غيابها أو تقلّص مساحاتها. 

لكن يبدو أنّ كلام الصحف والكتب شىء والممارسة الواقعية شىء آخر يقع على طرف نقيض منه. ففى كتابه الهام «نبى العصيان: عشر سنوات رفقة كاتب ياسين» يورد الكاتب والصحفى «احميدة عياشى» واقعة مؤسفة لا أظنّها إلا باقية كلطخة عار فى تاريخنا الثقافى المعاصر حيث ينكّل المثقف بزميله المثقف.

ويتحدث عياشى عن المرارة التى كان يشعر بها صاحب نجمة نتيحة «حظر» مسرحياته من العرض فى التلفزيون الجزائرى مقارنة بعبد القادر علولة الذى عُرضت له أكثر من مرة مسرحية «الخبزة» المقتبسة عن توفيق الحكيم ومقارنة أيضا بكاكى الذى عرضت له «القراب والصالحين».

ويقول عياشى: «فى عام 1983 كنتُ فى بيت ياسين بابن عكنون عندما سلمنى مراسلة من إدارة التلفزيون الجزائرى وكانت عبارة عن إبلاغ مكتوب باللغة العربية يعتذر أصحابه عن رفض لجنة القراءة لمسرحية ياسين «حرب الألفى سنة» وأما أسباب الرفض فكانت تتلخص فى نقطتين أو ثلاث. الأولى اتهام ياسين بالنزعة الجهوية عندما أورد أغنية «يا الشاوى خويا» والثانية اتهامه بالدعوة إلى الشعوذة (انتبهوا جيدا: كاتب ياسين يدعو للشعوذة !!) وذلك –يقول عياشى-بسبب استعماله لمشهد زيارة ضريح ولى صالح بمنطقة سطيف. 

ويستغرب عياشى ونستغرب معه نحن القراء من التقرير عندما نعرف أنّ ثلاثة من الأسماء التى تشكّلت منها لجنة القراءة التى رفضت «إجازة» العرض كانت لمبدعين من الأسماء القوية وطنيا.

مرزاق بقطاش، عبد الحميد بن هدوقة (الذى أخال أنّ صيحة شخصية الشيخ علاوة فى روايته المهمة «بان الصبح»: «هم ملاحدة، أوباش» كانت لسان حال بن هدوقة وهو يتعامل مع مواطنه ياسين) وعبد العالى رزاقى (الذى لا يمل من الظهور إعلاميا للحديث عن الحريات).

ويقول عياشى متابعا: «وبالرغم من موقف الروائى عبد الحميد بن هدوقة من كاتب ياسين إلا أنّ هذا الأخير اعتبر صاحب رواية نهاية الأمس من أهم الروائيين الجزائريين الذين يكتبون باللغة العربية إلى جانب الطاهر وطار».

فصام
قد لا نتوقف عن الاستغراب إذا علمنا أنّ بقطاش الذى شارك فى منع مسرحية ياسين من العرض قد كتب مقاله الذى يدعو فيه للحوار بين الأدباء فى نفس السنة (1983) كما هو مذيّل فى نهاية المقال ضمن الكتاب المذكور أى أنه كان يمضى على قرار المنع بنفس القلم الذى يكتب به مقاله الانفتاحى على زملائه المبدعين!! وبدل أن يشارك فى توسيع مجال الحريات وفتح الآفاق أمام المبدعين يقوم بدور إلغائى لا يوجد إلا عند الذهنيات المغلقة التى تقصى كل من يخالفها.

إنه موقف يدعو للبؤس حقيقة ونحن نراجع صحائفنا الثقافية وكيف يحاول الواحد إعدام الآخر من الخريطة الإبداعية الوطنية بمجرد أن تكون لديه سلطة ما.

وكان حرى به أن يرفع سماعة الهاتف ويتصل بياسين ولا بأس فى أن يتناقش الاثنان فنيا وإيديولوجيا حول مضامين العمل بدل البيروقراطية المقيتة التى «يدعى» الوقوف ضدها فى تآليفه. لم يكن ياسين –ولن يكون- مبدعا هامشيا ومحاولة تهميشه كانت كمحاولة أحدهم البول على الشمس إذ يرتدّ إليه بوله على وجهه. 

ما الذى يمكن أن يكون دافعا وراء هذا المنع؟ يطرح عياشى أسئلة مهمة هى أسئلتنا جميعا: فواقعيا لم يكن صاحب «الأجداد يزدادون ضراوة» يشكل خطرا على النظام بدليل استدعائه لأن يكون على رأس مسرح بلعباس، كما أنّ التوجه العام للرجل لم يكن بعيدا بحدّة عن مواقف السلطة تجاه القضايا العامة (فلسطين كمثال) ويُنهى عياشى أسئلته المركّزة بقوله: «إذن، لماذا تمت محاصرته بذلك الشكل الغامض والمبهم والغير بهيج»؟

الاستغراب الآخر أنّ ياسين تم توجيه الدعوة له من عدة بلدان مثل السويد والولايات المتحدة إضافة إلى فرنسا كما ظهر الاحتفاء بأعماله المسرحية (وليس رواية نجمة فقط) واضحا فى الخارج بترجمتها وإتاحتها للقراء وكلنا يعرف جهود الدكتورة ملكة أبيض فى ترجمة كتابات الرجل إلى العربية ونشرها ضمن منشورات وزارة الثقافة السورية. كيف لغير الجزائريين أن يعرفوا قدر ياسين ويساعدوا فى نشر كتاباته وأفكاره وإيصالها للناس بينما مرزاق و»عُصبته» الجزائرية يشاركون فى المنع؟ 

هل كان مرزاق بقطاش يخاف صاحب الخيمة كما تحدث فى مقاله وصاحب الخيمة هنا هو كاتب ياسين الذى كثيرا ما عانى من سوء الفهم ومن الصحافة المغرضة (طبعا هناك أقلام نزيهة على كل حال) التى تقوّله ما لم يقل فيضطر لتصحيح المفاهيم بحوارات جديدة؟ أم كان واقعا تحت قسوة سلطة تلزمه باتخاذ قرارات المنع رغم عدم اتفاقها مع قناعاته؟

 فى الأولى يعى بقطاش جيدا ألا إبداع دون حرية وحريته كانت تكفل له أن يناقش علنا كل كتابات ياسين دون اللجوء للضرب تحت الحزام. وفى الثانية كان عليه أن يُعفى نفسه أو يطلب إعفاءه من أن يكون أداة طيعة يتم بها إسكات مبدع بقيمة مبدع «فلسطين المغدورة».

ويمكن أن نضيف ثالثة: هل كان بقطاش يغار من ياسين وشهرته الطاغية؟ كما يمكن أن نضيف رابعة: ما الفرق بين حرية ماياكوفسكى وجدارة كتاباته فى الانتشار وحرية كاتب ياسين وجدارة كتاباته فى الانتشار أيضا؟ أليس المبدأ واحدا؟ دعونا نلاحظ هنا أنّ أحد الأسباب التى ذكرتها اللجنة والمتلخص فى تشجيعه للشعوذة بحديثه عن ولى صالح يمكن ضربها عرض الحائط ودوسها بالأقدام لأنّ مسرحية «القراب والصالحين» التى عرضها التلفزيون لكاكى كلها من بدايتها إلى نهايتها تتحدث عن ثلاثة أولياء صالحين وكلها تتحدث عن الوعدات والزردات أى أنها تشجع الشعوذة بمفهوم أصحاب القرار ولم يتم الاعتراض عليها. مما يعنى وقوع التلفزيون ومثل هذه اللجنة فى نوع من الازدواجية المقيتة التى كثيرا ما تتسم بها القرارات العرجاء. 

ثقافة مزرية
إنه موقف إشكالى يفتح بابا واسعا على حالة ثقافية مزرية لا تزال تعانى منها الساحة الجزائرية وما جاء عن بقطاش هو ذاته ما يمكن أن ينسحب على زميلى الرجل فى منع عرض المسرحية.

كلهم مشاركون فى الجريمة والرصاصة التى تم توجيهها لبقطاش وأرادت إزهاق روحه - وهى جريمة فى حق إنسان لا يمكن أن تمحى من الذاكرة ولا يمكن إلاّ إدانتها-لا تختلف كثيرا عن الرصاصة التى وجهها بقطاش نفسه إلى ياسين بمنع عمله. الفرق أن الرصاصة الأولى كانت من مجرم بينما الأخرى انطلقت من مبدع. وهنا تكمن الكارثة.