ميرفت عمر تكتب: «مرايا إليكترا».. مواجهة الصراع الأزلي لن تأتي من الآخر

ميرفت عمر
ميرفت عمر


العرض المسرحي "مرايا إليكترا" واحدا من العروض التي ترشحت للعديد من الجوائز في المهرجان القومي للمسرح المصري في الإخراج والتأليف والديكور والملابس والإضاءة وغيرها ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصة، لم تأت تلك الترشيحات من فراغ فهو النص الذي يتملكك منذ دخولك ساحة المسرح وحتى ساعات بعد انتهاء العرض، فقد أدخلني مخرج العمل أيمن مصطفى في أجواء أسطورة الملكة إليكترا الذابلة اليائسة المترقبة للإنتقام، منذ أن وطأت قدماي ساحة المسرح وصولا لمقعدي، تلك الأجواء القاتمة التي تحياها بطلة العرض إليكترا منذ وفاة والدها الملك أجاممنون علي يد والدتها الملكة كلتمنسترا والخائن إيجست وتهريب أخيها أورست إلى أن يكبر، ففي عودته أخذ الثأر من والدته واستعادة الملكة حياتها من جديد.

شخصيات العرض تلتقيها أثناء بحثك عن مقعدك تتجول في رداء أسود لا يكشف ملامحها، على إيقاع أقرب إلى الجنائزي قاتم وأضواء خافتة دخولا في تفاصيل الاستعراض الافتتاحي العبقري، الوجوه الثلاث لبطلة العرض يتفقون ويتناحرون ، يتكاملون ويتباينون ، يتجمعون ويتفردون في خفة ورشاقة، تصوير بديع لحالة الارتباك التي تعيشها إليكترا القوية ظاهريا فقط، تحب كأي فتاة وتحلم بالاقتراب من فتاها، إلا أنها ترفض الانصياع لذلك الشعور حفاظا على حالة الحداد التي تحياها منذ مقتل والدها الملك وتقلدها العرش من بعده، ترفض الإذعان لصوت الأنثى بداخلها مهما علا وألقى بظلاله على ملامحها أو تصرفاتها.

الصراع يتصاعد لأقصاه بوصول الشقيق بأفكار مختلفة رافضا الانتقام متذرعا بأمال وأحلام تتلاقى مع إحدى شخصيات إليكترا وتتنافر مع الأخريات، وصراعها الداخلي لا يهدأ وسط الانشقاقات التي تواجهها، متشبثة بما وقر في عقلها وقلبها ولم تمحوه السنوات أو الأزمات، صولات وجولات بينها وبين شقيقها في محاولة لإقناعها ببدائله لإنهاء الصراع ، وهنا تظهر عظمة العرض في الانتقالات المتلاحقة للقطات مختلفة في ذات المساحة، تشعر بالدقائق والساعات التي استغرقتها تلك الحوارات، فقد كان رهان أورست على إقناعها شبه يقيني فكان خطابه مختلفا عله يمس في شقيقته ما يحقق رجاه، إلا أنها اختارت طريقها ولم تسمح لغيرها أن يختار لها، انسحب أورست من المشهد في لحظة تأهلها للانتقام بسيفها لا بسيف أحد سواها.

الدكتور محمد سعد راعى في ديكور العرض الاستفادة القصوى من مساحة المسرح، فقد استخدم خلفيته في استقبال القادم أو رحيله، بينما تنوعت باقي الأرجاء بين المرايا والصراع والحوارات، مستعينا بإضاءة أبو بكر الشريف الذي قسم المسرح إلى عدة لقطات في سرعة وسلاسة، وساهمت أزياء هبة عبد الحميد في التباين بين شخصيات إليكترا وعمل توازن للعرض طوال الأحداث، وساهمت الموسيقى لأيمن مصطفى في إضفاء تلك الأجواء الجنائزية التي ربطت عناصر العمل بأكملها.

من العناصر المميزة في العرض أيضا رقصتا الغربان لمناضل عنتر وقام بتدريب الراقصين أحمد رامي، حيث يعد الغراب في الأساطير القديمة نذير شؤم، نظرا إلى لونه الأسود ونعيقه الحاد، بالإضافة إلى أنه في المجتمعات القديمة لم يكن يتم دفن الأموات لا سيما في المجاعات والحروب، فتأتي الغربان وتأكل لحوم الموتى، وكانت تُرى الغربان تحوم حيث يوجد الموت والحروب والمجاعات والجيف.

وفي عنصر التمثيل قدمت كلا من ريهام سالم وبرين شوقي شامخ وميرنا هشام شخصيات إليكترا باحترافية، تشعر أنك أمام نجوم الغد صانعي المستقبل القريب، وحظيت كلا منهن على الاستفادة بمساحة الدور الذي تقدمه لإبراز إمكانياتهن التمثيلية، أما حسام الجندي فقد قدم الشخصية بمفرداتها بمنتهى السلاسة كعادته في الكثير من الأعمال التي شارك فيها، إلا أن مساحة دوره الكبير والهام أبرز قدرات جديدة لم يمنح مساحة قبلها لتقديم نفسه كممثل بارع.

النص كتبه متولي حامد وكيوجرافيك وإخراج أيمن مصطفى الذي أخرج ما تخطى العشرين عرضا مسرحيا وشارك بالتمثيل أو الكيوجرافيك أو كمخرج منفذ، إلى جانب عدد من المساهمات في الورش التدريبية للأداء الحركي والصوتي والإخراج في المهرجانات والمسارح المختلفة.