« إلى متى؟!!» قصة قصيرة للكاتب أحمد بيضون

قصة قصيرة للكاتب أحمد بيضون
قصة قصيرة للكاتب أحمد بيضون


حقائبُ الأيام مُترعةٌ بالأحزان؛ أنا وهو نبكيان مجداً يجوس في أخيلة الظلّ كلَّ يومٍ في الطريق بين ميدان البوسطة ومنطقة الميناء التجاري بمحافظتي الكائنة على ساحل المتوسط.

 يشكو كلٌّ منهما للآخر ما يحويه ضجيج الصمت في أوداجنا، أراقبه عن كثب وزملائي في العمل يشيحون نظرات الاستنكار نحوي؛ كأنهم يحدجونني بذنب تأخرهم عن العمل فألوح بصري بعيداً بدون التفاتة أو إيماءةٍ بقبول أو رفض فيما عَدَاه!.

أتون شمس بؤونة يحرق خصلات شعري ويلمع في النوافذ الزجاجية الجانبية فلا أكَد أراه يخاطبني، يظهر لي في ميوعة بخار انعكاس على الجسم المصقول بجواري بعدما أرتئي انعكاسه قبل أن أرفل لعملي على سطح قهوتي مسجياً يخاتل جذوة قد اكتوت من العزلة في ذاك الركن الركين 'بقهوة العيسوي' التي تلجُ إلى مكمن انتظار باص الهيئة، كلماتٍ تجتاح أسماعي منذ أن نبَت شمسي الخجولة وخبَت أطياف الحسناوات المارة أثناء جلستي أراقبهنّ..علَّها ترمقني بعَبارةٍ غير تلك الذكورية التي أسمعها: (صباح الفلّ يا حجُّوج.. أحلى اصطباحة.. ناموسيَّتك كُحلي.. لِسَّه بَدري) هي عبارات استهجان وليست للإطراء على وجه الإطلاق، حتى سمعت صوتاً يصدح مخترقاً جدار الوجوم والسهاد الذي اعتراني طيلة ماضٍ تليدٍ من عُمرٍ بائد.

 

فاتَت أمامي وهي تزاحمُ خيالي الذي يرافقني تتراً وتختلط بوجه القهوة السادة التي أرتشفها بالكافيه: (إزيَّك يا غريب! مُمكن أوصَّلك في سكِّتي!).. في إشارةٍ منها وهي على مقود سيارة فارهة تعرض عليَّ بلطف يدغدغ رمالِ ولهٍ تصحَّر في وجيبي لتأسِرَه ببسمتها البلجاء وتمسح ذاكرة مكاء غرور أصحاب العمل المتنمِرين من كلِّي، حتى ذاك الرفيق الذي يضني قارعة الذكريات أبصرته فاغراً فاه من جيدِ حسناء سينعم برفقتها الناعمة أو يوشكُ على القبول ويلقَ استحسان مالكُه.

 لم أكد أسترقُّ الأسماع ولم أنبس بكلمة بل تلجلجلت وتململت مُخاطباً إياها: (إنتِ تِعرَفيني؟!)، ردُّها: (يا غَريب.. أنا سَحَر بِنت طنطَك سُعاد جارِتكُم في المساكن!!).. هي جارتي سحَر الطبيبة التي تعمل بمشفى يطلُّ على طريق 'السنانية' الواصل للواج درب العمل.. ابنة السيدة سُعاد الممرضة التي كانت تحقنني ب'السِّيرينجة' لتعالجني من السخونة والحُمى لمّا كنت صغيراً؛ تذكَّرتُها وهيَ تتلعثم.. لا أذكر من نثار الأيام غير منمنمات ضحكتها البريئة وأنا ألهو معها في مدخل البلُوك المأهول بالجدود وشخوصٍ رحلت عن عالمنا : (البنات.. البنات.. صراصيرِ البالوعات!)...

كانت تستاء من نعتي لها بصرصور ولكني كنت أقول لها : (فيما عداكِ.. أنتِ ألطف الكائنات)، دلفتُ في خاصرةِ الأوقات أنبش وأفتش عن ذاتيَ المُهملة التي أضحت في طيّ النسيان، ورَفيق أخيلتي من الهلاوس يجوس عبر أثيرِ عطرٍ تنفثه وأذكره لما كانت تهبط أدراجَ السُلَّم متجهة لكليتها في 'المَنصورة' وأنا أهرعُ ارتداء ملابسي لألحقَ بها بعَربة المواصلات التي تقلنا سويَّاً إلى موقف 'السِّرفيس' فآخذها من يدها بكل تأدب وأوصلها لبوابة كلّيتها بعدما أحضر ساندوتشات (الماكس) من مطعم البَغل قبل الولوج للمحاضرة وأطمئن ثم انصرف لجهتي وأنتظر خروجها لنعود أدراجنا؛

 أمر تكرر طيلة أربعُ سنواتٍ فَكنتُ أكبُرُها بعامين، وبعدها تخرَّجت وانتقلوا للعيش في منطقة بمنأى عني وانقطعت الأنباء خاصَّة لما نما لعلمي وفاة والدها ناظر مدرستنا المُحترم، فتيةُ حارتنا..

اقرأ أيضًا| « الزيارة» قصة قصيرة للأديب الدكتور إيهاب عبدالسلام

لم تكن أوشاج وأواصر علاقاتنا وطيدة.. أو بالأحرى.. يمكنني القول بأنَّا انفصلنا وقُصلَ نشيجُ التواصل عدا الشرذمة ممَّن لحقوا بعملي كسائر أبناء بلدتي الساحلية.

 

مازلتُ مُتسمّراً في مكاني لا أعرف إن مضيتُ معَها ورآني رفاق جادة الأشغال.. كيف ستكون تعليقاتهم الساخرة إزائي.. أمرٌ سيثير الجلَبة والقيل والقال والإشاعات والهرطقة والخزعبلات من أرتال الأكاذيب التي تحترق كأعقاب السجائر التي اعتادوا تدخينها، قَبلتُ التحدِّي كذلك الذي سبَقني لمغازلتها، وهززت رأسي بالموافقة مع ابتسامة ثغرٍ أثارت حفيظة مرتادي الكافِيه.. ممَّن يعلمون بأني وحيدٌ في هذا العالم، جلستُ بجوارها وأرقبُها؛

لم يتعدَّ صَوتي حُنجرتي بمشاعر خرساء تعتصرُ صنعة أعوامي المنصرمة وأنا أهاتف أذُنيها: (ما شاء الله.. حفظكم الله وتبارك الخلاق يا دكتورتنا!!).. فإذا بي أرسمُ آمالاً عظيمة في أن تبادلني الإطراء وأوهامُ حبّ تأجَّجَ في الكيان فيحرك زيت مشكاة العروق ليتقد تحت قيظ تنور شمس تزيدها نورانيّة في أحداقي، لِتخبرني بأنّها تزوَّجت من طبيب كان ميسور الحال وزميلها في العمَل وبينهما طفلٌ ذكَر؛ ومرَّ عَقد ونيّف من الدهر وتعاظمَت طموحات زوجها ليفتح عيادة؛ لكنَّهُ أرغمها على تركِ العمَل.. ثمَّ قامَت قيامته وكما قيل في الأثر: (ما عدوَّك إلّا ابن كارَك!!)، كان بالضبط ما قام به هذا الزوج الخائن بعدما قضى على آمالها في المضيّ المهنيّ قدُما غيرةً منه وازداد شططاً لما حاولت نيل الماجستير في الجراحة العامة، كان ذاك بمثابة أن أصبحَ غريمته.. ولكنَّه تناسى ما فعلته من أجله ووأد حلُمي لأنه لا يحبُّ سوى التفاخر بنفسه وسطوته أمام ذويه وجعلني مربيَّة منزل!)..

تناهت لأسماعي نبرات حديثها ورفيقُ الظلّ المبتور خاصَّتي بدأ يتلاشى ويذوب في وجهها كأنهُ تزوجها وتركني جثَّة هامدة تسمع لحوارٍ في طريقها بعدما أصرَّت على إيصالي إلى الميناء صوب لقمة عيشي.. وهي تقول: (إنت ابن حلال.. ياغريب.. تستاهل كلّ خير.. يا سيدِ الرجالة!)، لا أدري هل تُلمِّح لشيء وهي تنعتني بقوامة الرجال ودماثة الخُلق؟!.. بعدما علمتُ بنبأ الانفصال عن ذاك الذي تزوج صديقتها كضرّةٍ لها ليطمس بريقها الأخاذ ويحل محلّه الثأر ووديان الانتقام من شاكلته، بالفعلِ.

أوصلتني وأنا أشكرها بكل ما تحمله معاني الكلمات وأنا أترجَّل من السيارة وألوح لا أطيق وداعاً لكنَّ حروفي تصلُها بدوام الوئام.. لِتخبرني بأنَّها ستعود تأخذني في طريق عودتها لِتوصلني.

ها قد مرَّ الوقت سريعاً على غير المُعتاد وأنا أقف على نهاية طريق الشاحنات أنتظر ها ويحدوني بادرة أملٍ بأنها ستفاتحني برغبتها في الوصل والتنزّه معاً، بعدما علمتُ بأن طفلها يقضي وقتا مع طليقَها، لأتنسَّم عبير حياة متجدد لم أعهده مذ كانت في سن المراهقة، واستمرّ الأمرُ في أن تقلَّني بضع شهَورٍ وأنا أتيمَّم بالصبر..

ربّما تناولت معها غداءً ذات مرة بجوار منطقة 'اللسان' برأس البرّ —المصيف والمشتى الذي يميّز بلدتي، حتى بدا القيظُ والزمهرير في تلك البقعة يتماهان مع ربيعِ وجودها بالنسبة لشخصٍ مثلي اعتادَ الاحتراق؛ ظلِّي الذي لازمني دهراً لم أعد أراه فقد ابتلعته لتصبحَ لسانُه حالي، تبادلنا أطراف الحوار آناء الليل وأطراف النهار ويْكأنها خطيبتي، حتى جاءت آخر مرة تدلف لمقهى العيسوي وهي تقول في برود أعصابٍ وتعتريها نعَرات الخجل المُضمخَّة بالحياء والحيرة في أمري قائلةً وهي تزعق باضطرابٍ زائف: (أنا سآخذ ابني وسأجتمع مع زوجي الذي أدركَ مغبَّة خطإه الذي لا يغتفر بحقها وسيطلِّق من آثرها فقد كانت نزوة.. أنا آسفة جداً.. يمكنك الذهاب مع باص عملك مع رفاقك)؛

 أعتقُدُ الآن بأن نبرة صوتها الذي كشف حقيقة إنسلال طيفي الذي تبخَّر من وتين عنقها ليتلبَّسني تارةً أخرى ويلتحق بثلة الغوغائية عندما تقاطرَت سهام الازدراء تنسغُ وجهي المدلهمّ ملتاعاً من الوجع؛ فأجلسُ بطوَّافة النَّدامة بين أقران الشرّ وأبوء لنفسي بديْدن تقلبات الحال، أسمع: (أينَ الفتاة الطاغية الأنوثة؟ كيف تعرفُ أمثالك من الطبقة الكادحة؟!.. خيبة الأمل راكبة جمَل)- يقصدون بأني تعسٌ وبحالة مزرية لا يرثى لها، وتعوّدت سوء الطالع ورداء الإنطوائية، فجأةً بين ضباب الدخان يصعَّد الشبح الذي يلزَمني كأننا وُلدنا من رحمٍ واحد؛ لكنه يقهقهُ في وجهي المغبرّ فأوبِّخه علَناً هذي المرة قائلاً: ( أغرُب عن وجهي.. كفاك.. أينَ كنت؟!!؛ حينئذٍ - أدركَ الجميعُ بأني فقدتُ صوابي ليطولَ مكوثهم صامتين يتحاشونَ لغوَ الحديث!!.