عصير القلم

لعبة الفقراء التى سرقها الأغنياء

أحمد الإمام
أحمد الإمام


‭..‬اشتهرت‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬منذ‭ ‬ميلادها‭ ‬بأنها‭ ‬لعبة‭ ‬الفقراء،‭ ‬فهي‭ ‬رياضة‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬عبئًا‭ ‬ماديًا‭ ‬على‭ ‬ممارسيها‭ ‬ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬سوى‭ ‬كرة‭ ‬مستديرة‭ ‬ومساحة‭ ‬ارض‭ ‬صغيرة‭ ‬تقام‭ ‬عليها‭ ‬المباريات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬انتشارها‭ ‬وزيادة‭ ‬أعداد‭ ‬ممارسيها‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬معظم‭ ‬ممارسي‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬من‭ ‬الفقراء‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬فيها‭ ‬متنفسًا‭ ‬يخرجون‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬طاقاتهم‭ ‬ويتفننون‭ ‬في‭ ‬استعراض‭ ‬مواهبهم،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معظم‭ ‬عباقرة‭ ‬الكرة‭ ‬من‭ ‬الفقراء‭ ‬المعدمين‭ ‬الذين‭ ‬تحولوا‭ ‬بفضل‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬نجوم‭ ‬كبار‭ ‬مشهورين‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭ ‬مثل‭ ‬بيليه‭ ‬ومارادونا‭ ‬ورونالدو‭ ‬وميسي‭ ‬وغيرهم‭ ‬ممن‭ ‬تحولت‭ ‬حياتهم‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬المدقع‭ ‬إلى‭ ‬الثراء‭ ‬الفاحش‭ ‬بفضل‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬تلك‭ ‬الساحرة‭ ‬المستديرة‭ ‬التي‭ ‬خلبت‭ ‬العقول‭ ‬وسحرت‭ ‬العيون‭ ‬وأصبحت‭ ‬اللعبة‭ ‬الشعبية‭ ‬الاولى‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وكان‭ ‬من‭ ‬البديهي‭ ‬ان‭ ‬يلتفت‭ ‬الاغنياء‭ ‬الى‭ ‬الانتشار‭ ‬الرهيب‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬ويحاولون‭ ‬استثمار‭ ‬شغف‭ ‬الجماهير‭ ‬بهذه‭ ‬اللعبة‭ ‬المجنونة‭ ‬،‭ ‬ويسعون‭ ‬لتحويله‭ ‬الى‭ ‬أرباح‭ ‬مالية‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭.‬

‭ ‬وكانت‭ ‬البداية‭ ‬مع‭ ‬توجه‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬نحو‭ ‬تشفير‭ ‬المباريات‭ ‬وبيع‭ ‬حقوق‭ ‬بث‭ ‬البطولات‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬تليفزيونياً‭ ‬لجهة‭ ‬واحدة‭ ‬محتكرة‭ ‬للحقوق‭ ‬منذ‭ ‬بطولة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬1998‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬ولكن‭ ‬المشاهد‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يشعر‭ ‬بهذه‭ ‬المشكلة‭ ‬وقتها‭ ‬لأن‭ ‬اتحاد‭ ‬الاذاعات‭ ‬والتليفزيونات‭ ‬العربية‭ ‬كان‭ ‬متعاقداً‭ ‬مع‭ ‬الفيفا‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬بث‭ ‬البطولة‭ ‬لمدة‭ ‬20‭ ‬عاماً‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬1978‭ ‬وحتى‭ ‬بطولة‭ ‬1998‭. ‬

وبدأت‭ ‬معاناة‭ ‬الشعب‭ ‬مع‭ ‬التشفير‭ ‬في‭ ‬مونديال‭ ‬2002‭ ‬بعدما‭ ‬احتكرته‭ ‬وقتها‭ ‬شبكة‭ ‬ART‭ ‬ثم‭ ‬باعت‭ ‬حقوق‭ ‬بث‭ ‬بطولة‭ ‬2010‭ ‬لقنوات‭ ‬الجزيرة‭ ‬الرياضية‭ ‬والتي‭ ‬تحولت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬الى‭ ‬BeIN Sport‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬أن‭ ‬سارت‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الدرب‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البطولة‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭ .‬

وبعد‭ ‬لعنة‭ ‬التشفير‭ ‬وارباحها‭ ‬المليارية‭ ‬دخلت‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬سوق‭ ‬المراهنات‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬سهلة‭ ‬المنال،‭ ‬فيكفيك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قارئا‭ ‬جيد‭ ‬لنتائج‭ ‬للمباريات،‭ ‬وأن‭ ‬تتكئ‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬الطالع،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬محبي‭ ‬اللعبة‭ ‬الأكثر‭ ‬شغفا‭. ‬

ولكن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أخذت‭ ‬المراهنات‭ ‬الرياضية‭ ‬لمستوى‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬فبعض‭ ‬روادها‭ ‬يمتلك‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات،‭ ‬وآخرون‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬لسد‭ ‬رمقهم‭.‬

اللافت‭ ‬في‭ ‬المراهنات‭ ‬دقة‭ ‬التفاصيل‭ ‬المطلوب‭ ‬توقعها‭ ‬من‭ ‬المقامر،‭ ‬مثل‭ ‬تحديد‭ ‬البطاقات‭ ‬الصفراء‭ ‬والحمراء،‭ ‬ومن‭ ‬سيسجّل‭ ‬أولا،‭ ‬ومن‭ ‬سيشارك‭ ‬من‭ ‬اللاعبين‭ ‬الاحتياط،‭ ‬وعدد‭ ‬ركلات‭ ‬الجزاء‭ ‬التي‭ ‬ستحتسب،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الرهانات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬مثل‭ ‬تحديد‭ ‬بطل‭ ‬الدوري‭.‬

شهد‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬أغرب‭ ‬رهان‭ ‬عرفته‭ ‬المقامرة‭ ‬الرياضية‭ ‬منذ‭ ‬بدايتها،‭ ‬وهو‭ ‬رهان‭ ‬أحد‭ ‬المواطنين‭ ‬الإنجليز‭ ‬على‭ ‬فوز‭ ‬فريق‭ ‬“ليستر‭ ‬سيتي”‭ ‬بالدوري‭ ‬الإنجليزي،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬توقعات‭ ‬تحقيق‭ ‬الفريق‭ ‬للدوري‭ ‬كانت‭ ‬1‭ ‬من‭ ‬5000‭ ‬توقع،‭ ‬والغريب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الفريق‭ ‬المغمور‭ ‬فاز‭ ‬باللقب،‭ ‬وفاز‭ ‬معهم‭ ‬ذاك‭ ‬المواطن‭ ‬بمبلغ‭ ‬72‭ ‬ألف‭ ‬جنيها‭ ‬إسترلينيا‭.‬

في‭ ‬أوروبا‭ ‬هناك‭ ‬بارونات،‭ ‬فازوا‭ ‬بالملايين‭ ‬جراء‭ ‬المقامرات،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬“ماثيو‭ ‬بنهام”‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬ثروة‭ ‬طائلة‭ ‬من‭ ‬المراهنات‭ ‬على‭ ‬مباريات‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دخل‭ ‬مجال‭ ‬اللعبة‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬ثم‭ ‬صارّ‭ ‬مالكا‭ ‬لنادي‭ ‬“برينتفورد”‭ ‬الإنجليزي‭. ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أسس‭ ‬شركة‭ ‬“Smartodd”‭  ‬لتحليل‭ ‬البيانات،‭ ‬وتقديم‭ ‬الاستشارات‭ ‬للمقامرين‭ ‬في‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬وفيها‭ ‬عشرات‭ ‬التطبيقات،‭ ‬التي‭ ‬تدّعي‭ ‬الموثوقية،‭ ‬مثل‭ ‬“Sky BET”‭ ‬و‭ ‬“BET 365”‭ ‬وغيرها‭ ‬الكثير،‭ ‬وتضم‭ ‬ملايين‭ ‬المشتركين‭.‬

أغرى‭ ‬هذا‭ ‬التطور،‭ ‬الذي‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬اللعبة،‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬لاعبي‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أنفسهم،‭ ‬لدخول‭ ‬تلك‭ ‬السوق،‭ ‬إما‭ ‬بالمراهنة‭ ‬مثل‭ ‬الأشخاص‭ ‬العاديين،‭ ‬أو،‭ ‬وهو‭ ‬الأكثر‭ ‬فداحة،‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬المباريات‭.‬

وهكذا‭ ‬فقدت‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬سحرها‭ ‬ومتعتها‭ ‬وتحولت‭ ‬الى‭ ‬مجرد‭ ‬آلة‭ ‬استثمارية‭ ‬لحصد‭ ‬الملايين‭ ‬بل‭ ‬المليارات‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬عزاء‭ ‬للفقراء‭ ‬الذين‭ ‬اخترعوا‭ ‬اللعبة‭ ‬وأحبوها‭ ‬بصدق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسلبها‭ ‬منهم‭ ‬الاغنياء‭. ‬

;