رؤية اقتصادية

تحديات التشديد وضروراته

د. مدحت نافع
د. مدحت نافع


د. مدحت نافع

التشديد النقدى والكبح المالى هما السياستان المتبعتان من الحكومة والبنك المركزى المصريين للتعامل السريع والفعّال مع التضخم. أما عن التشديد فهو سياسة نقدية قوامها رفع أسعار الفائدة وامتصاص فائض السيولة من الأسواق عبر عمليات السوق المفتوحة، نظراً لتحوّل ذلك الفائض إلى ارتفاع فى الأسعار، إذ لا تقابله زيادة حقيقية فى السلع والخدمات.


تواكب تلك السياسة النقدية للبنك المركزى سياسة مالية متشددة تنتهجها الحكومة من خلال وزارة المالية، بغرض تحقيق الضبط أو الكبح المالي. ولكى يكون الكبح المالى فعّالاً يتعيّن على الحكومة خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، للحد من اتساع عجز الموازنة وزيادة الفجوة التمويلية، التى تعد أحد أهم سببين للتوسّع فى الاستدانة الداخلية والخارجية، السبب الآخر بالطبع هو العجز الخارجى فى ميزان المدفوعات.
وفى ظل ارتفاع معدلات الفقر وزيادة الضغوط التضخمية، واستمرار التشديد لفترات طويلة أثّرت سلباً على معدلات النمو الاقتصادي، فإن الكبح المالى يكون أكثر فاعلية بالتركيز على جانب الإنفاق وليس الإيرادات الضاغطة على المواطن والمشروعات بمزيد من الضرائب. ولعل أهم بنود الإنفاق التى يمكن للحكومة أن تتعامل معها بشئ من المرونة هو الإنفاق الاستثماري، خاصة أن خدمة الدين تأكل الجانب الأكبر من المصروفات والالتزامات بالموازنة العامة، كما لا يمثّل الدعم سوى نسبة لا تزيد عن 11٫5% من الالتزامات للعام المالى الحالي، ومن ثم لا يعد المساس به أو بالأجور (نحو 10٫5% من الالتزامات) أمراً مناسباً فى ظل الوضع الاقتصادى والاجتماعى الراهن. من ناحية أخرى يمكن للإصلاح المؤسسى والتكيّف الهيكلى (بالتخارج الحكومى التدريجى من النشاط الاقتصادي) أن يحققا معاً ضبطاً مالياً، بتحسين حصيلة الإيرادات ورفع كفاءتها من ناحية، وخفض الإنفاق فى أوجه الهدر والفاقد وضعف الكفاءة من ناحية أخرى.
وقد ألزمت الحكومة الأذرع المختلفة للدولة بسقف للإنفاق الاستثمارى لا يتعدى تريليون جنيه سنوياً، وهو بداية لإدراك أهمية إرجاء بعض أوجه الإنفاق لحين الانتهاء من محاصرة التضخم، والسيطرة على الشح الدولارى الذى ينعكس سلباً على مختلف الأسعار ومدخلات الإنتاج ومستويات المعيشة.


لكن يتعيّن الانتباه إلى أن كل دواء لابد له من أعراض جانبية، ولعل من أبرز الأعراض الجانبية لسياستى التشديد والكبح هو التباطؤ الاقتصادي. فأسعار الفائدة المرتفعة وانخفاض مستوى السيولة فى الأسواق يرفعان من تكلفة التمويل، مما يحد من الإنفاق الاستثمارى الخاص والعام، وبالتالى من فرص العمل والتشغيل.


كذلك يتأثّر الإنفاق الاستهلاكى (الداعم الأكبر حالياً للنمو الاقتصادى المصري) بارتفاع الأسعار وشح العملة الصعبة..إلى جانب ظروف الاقتصاد العالمى وتغيّر المناخ والوضع الإقليمى المتأزّم. هنا يتعيّن على الحكومة أن تتعاون مع القطاع الخاص لتحقيق توازنات اقتصادية عاجلة وضرورية، وأن تتحرّك بسرعة أكبر فى اتجاه الإصلاح المؤسسى والهيكلي، وأن تعى أولويات الأهداف الاقتصادية عند اتخاذ قرارات بشأن أسعار المحروقات والكهرباء، وذلك بعد إعادة تعريف الدعم..وفى كل نقطة من هذه النقاط يطول الشرح ويضيق المقام.