عز الحر.. عمال المسابك أمام أفران تتعدى حرارتها 2000 درجة| فيديو وصور

عمال المسابك
عمال المسابك


شمس ملتهبة، ودرجات حرارة مرتفعة، يبحث الناس عن مأوي يقيهم حر الشمس، وظل يحميهم من أشعتها، خاصة في ساعات الصباح الأولى التي ترتفع فيها شمس صيف الإسكندرية، فوق رؤوس المواطنين في الشوارع، بينما يلجأ عم رجب والذين معه، إلى مكان آخر، بملابس شتوية قطنية رغم الحرارة، فجنتهم في الصيف هو حجرات ترابية، في إحدى الأزقة، تصل درجة الحرارة فيها إلى 2000 درجة، أو تزيد، إنهم عمال مسابك النحاس.

مسابك النحاس إحدى المهن التي اندثرت في الإسكندرية، بعد أن ذاع صيتها في المدينة، واشتهرت بها، وعزف عنها العمال والصناع، نظرا لغزو المنتج المستورد للبلاد، إلا بعض تلك المسابك، ظلت تحافظ وتحمي عرين هذه المهنة، حتى نجح عم رجب وعماله، في هزيمة المنتج الصيني في الإسكندرية، بسواعد مصرية تحفها حرارة الجو المرتفعة، وآلاف الدرجات الإضافية المنبعثة من أفران المسبك.

اقرأ أيضا|حكايات.. «طوف وشوف».. الإسكندرية بـ١٥ جنيهًا

رجب عبد العزيز، صاحب مسبك في منطقة اللبان بمدينة الإسكندرية، بقول إنه بدأ العمل في مجال سبك المعادن وتشكيلها في القوالب الرملية منذ أن ورث هذه الحرفة عن والده، على مدى أكثر من 40 عامًا، أتقن رجب هذه المهنة، مشددًا على أنها ليست مجرد حرفة تقليدية، بل هي فن يتطلب تراكم الخبرات، ومهارة، وإبداع الصانع، كما أضاف أن سرّ الإتقان في هذه المهنة يكمن في الصبر، والدقة، والاهتمام بأدق التفاصيل، من أجل إنتاج قالب دقيق يراعي جميع تفاصيل الشكل المراد تنفيذه.

أمام منضدة حديدية، يعلوها الطمي الرشيدي، يقف عم رجب، ويقوم بإزالة الطمي عن الأشكال النحاسية، التي تم سبكها منذ دقائق، الدخان يفوح من تحت الطمي فنحاس وصل لدرجة حرارة 2000 درجة مئوية، وكان يغلي كالماء لا يعيقه شيء عن التنفس من تحت الطمي حرارة ودخانا، يتصبب عرقا ويمسح جبينه ويقول إن صناعة القطع النحاسية تمر بسلسلة من المراحل التي تظهر مهارة الحرفي ودقته، تبدأ هذه العملية بتصميم الشكل المطلوب، يليها إعداد القالب الرملي، وهي مرحلة حاسمة لضمان دقة المنتج النهائي.

بعد ذلك، يتم صب النحاس المنصهر بحذر في القالب الرملي، مع ضمان ملء كل التفاصيل بدقة يتم تسخين النحاس في أفران خاصة حتى يصبح سائلاً قبل صبه يُترك القالب ليبرد ببطء حتى يتصلب النحاس، ومن ثم يُكسر القالب الرملي لاستخراج القطعة النحاسية المصبوبة.

تأتي المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة إنهاء العمل على القطعة النحاسية، التي تعتبر من أهم المراحل في صناعة الأشكال النحاسية، لضمان حصول المنتج على اللمسات النهائية المطلوبة.

كما أشار عبد العزيز إلى وجود مرحلة هامة قبل تصنيع الأشكال النحاسية، وهي تجهيز النحاس الخام، تبدأ هذه المرحلة بجمع خردة النحاس وإعادة تدويرها يتم فرز النحاس عن المواد الأخرى ثم تقطيعه إلى قطع صغيرة لتسهيل عملية الصهر.

فجأة يتوقف عن الحديث بمجرد أن شاهد عامل الفرن خرج من حجرة النار ـ كما يسمونها ـ فيعلم أن دوره قد حان للوقوف أمام الفرن فلكل فرد في المسبك عدد ساعات معين للوقوف أمام الفرن، يرتدي ملابس قطنية بأكمام طويلة، تقي جسمه حرارة النار، يذهب ويمسك "الكوشك" بحذر، وهي أداة تشبه الملعقة، يقوم بتقليب النحاس المنصهر بها، ثم يخرج النحاس المنصهر كالماء تماما من الفرن، ويسكبه في القوالب، ويبدأ العمال بحمل المواكب بعيد عن النار حتى يتسنى لها أن تتشكل.

ثم يستطرد حديثه قائلا، توضع قطع النحاس في أفران تتراوح درجة حرارتها بين 1300 و2000 درجة مئوية لتحويلها إلى سائل، أثناء عملية الصهر، تطفو الشوائب على سطح المعدن المنصهر، بينما يغرق النحاس النقي إلى القاع،  في هذه المرحلة يتم إزالة الشوائب من السطح لضمان الحصول على نحاس نقي وجاهز للاستخدام في المراحل اللاحقة من التصنيع.

وبعد أن يتم صهر النحاس حتى يصبح كالماء تماما، يتم استخدام "الكوشك" لرفع قطع النحاس المنصهرة من الأفران وسكبها في القوالب الرملية، بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم الرمال الصفراء المضغوطة في صناعة هذه القوالب، وتأتي خصيصاً لهذا الغرض من القاهرة ورشيد.

منتجات المسبك التي أصبحت تنافس المنتجات الصينية المستوردة، هي الحلى النحاسية المستخدمة في صناعة الأساس، والتماثيل التي تزين القصور والفيلات والمنازل الفارهة، وهي عنصر أساسي أيضا في صناعة أي أشكال نحاسية تتم في الاستخدامات المختلفة، للتكنولوجيا والمعمار والزينة وكل ما يحتاج إلى المنتج المصنوع من مادة النحاس.