خاص| برًا وبحرًا وجوًا.. سيناريوهات الحرب الإقليمية المحتملة حال فشل التوصل لصفقة في غزة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


«الحرب الإقليمية».. شبحٌ يخيم على المشهد السياسي في المنطقة وسط استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، دون التوصل لأي اتفاقٍ لوقف إطلاق النار بعد، وذلك رغم المباحثات المتواصلة الرامية إلى التوصل لصفقة تنهي معاناة الشعب الفلسطيني المكلوم في أرضه والنازح من دياره قسرًا على إثر العدوان الإسرائيلي المستعر أرضًا وجوًا.

وفي ظل مسلسل الاغتيالات السياسية التي طالت قادة أطراف بارزة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتحديدا في قطاع غزة، باتت السيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات إذا لم يتم التوصل لصفقة تفضي إلى وقف إطلاق النار في غزة. 

ومنذ أن اندلعت الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر، الذي شهد عملية "طوفان الأقصى"، لم تتوقف تلك الحرب سوى لأسبوع واحد على وقع اتفاق هدنة إنسانية تخلله صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل وحركة حماس رعته مصر وقطر، خلال الفترة من 24 نوفمبر وحتى الأول من ديسمبر.

ومع معاودة جيش الاحتلال الإسرائيلي قصف قطاع غزة في الفاتح من شهر ديسمبر لم يعرف سكان غزة يومًا واحدًا هادئًا ولا ليلة يُخيم عليها السكون، فكان الصخب والفزع حاضرًا على الدوام وصدى أصوات الصواريخ والقنابل يدوي في كل مكان، طيلة أمد الحرب، التي تدور رحاها منذ نحو 325 يومًا.

اقرأ أيضًا: حكايات| مصير غزة .. بين تهدئة غامضة وحرب إقليمية محتملة

وفي هذه الأيام، تستضيف القاهرة مباحثات مصيرية تشترك فيها أطراف عدة بغية التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار تضع من خلاله حرب غزة أوزارها بعد أن أثخن جيش الاحتلال في أرض غزة وأسقط أكثر من 40 ألف شهيد راحوا ضحية عدوانه الإجرامي.

ولا تزال بصيص الآمال معلقة من أجل التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، وذلك على الرغم من التعنت الإسرائيلي، في وقتٍ يبدو فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول إطالة أمد الحرب لأطول فترة ممكنة هربًا من استحقاقات داخلية تنتظره في إسرائيل في مرحلة ما بعد انقضاء الحرب.

مفاوضات وقف الحرب

ويرى أشرف القصاص، المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، أن نتنياهو يريد إطالة أمد الحرب للحفاظ على ائتلافه الحكومي المتطرف من السقوط،  وإخفاق جيش الاحتلال في استعادة الأسرى والفشل في الإجابة على سؤال من سيحكم غزة في اليوم التالي للحرب.

ويؤكد القصاص، لـ"بوابة أخبار اليوم"، أن "إيران لن تضحي بمصداقيتها أنها قائدة محور المقاومة، ويجب أن ترد ردًا قويًا على اغتيال رئيس حركة حماس إسماعيل هنية حتى لا تتهم أنها محور الخذلان"، حسب تعبيره.

ويضيف القصاص أن "المقاومة الفلسطينية لن توقع على اتفاق لا يضمن وقف الحرب والانسحاب وعودة النازحين وتبادل أسرى مشرف"، لافتًا في الوقت ذاته إلى ما وصفه بـ"ضعف إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن"، وأنها لا ترغب في ممارسة ضغط على نتنياهو..

وأردف قائلًا: "إذًا الحرب الإقليمية  تلوح في الأفق.. في حين لا ترغب إيران ولا الولايات المتحدة في خوض حرب إقليمية واسعة، فإن التصعيد الإسرائيلي المستمر يجعل من حرب كهذه احتمالًا واردًا، مما يدعو إلى استشراف الشكل الممكن لتلك الحرب، على صعيد الامتداد الجغرافي، وشكل المواجهة في مسارح العمليات الجوية والبحرية والبرية، والتداعيات السياسية والاقتصادية والإنسانية لها على دول وشعوب المنطقة".

شكل الحرب الإقليمية المحتملة

وحول الشكل المتوقع لهذه الحرب المحتملة، يقول القصاص: "البداية المتوقعة في حال نشوب حرب أن تقوم إيران بهجوم جوي فترد عليه إسرائيل بشكل واسع، مما يشعل فتيل قصف جوي متبادل، ينخرط فيه حلفاء كل طرف".

ويضيف قائلًا: "وفي ظل ذلك، يقوم كل طرف باستهداف الأصول الإستراتيجية للطرف الآخر، كمراكز القيادة والتحكم، والمفاعلات النووية والمطارات العسكرية والمدنية، والقواعد العسكرية، والموانئ، وشبكات الطاقة والاتصالات والمواصلات، ومنظومات التصنيع العسكري والمدني، بما يحقق تقويض الجبهة الداخلية للطرف الآخر ودفعه للرضوخ والاستسلام".

ويتابع المحلل السياسي الفلسطيني: "في هذا الصدد يسعى كل طرف إلى امتلاك الغطاء الدفاعي الجوي اللازم، وتمتلك إسرائيل بالفعل نظام دفاع جوي متعدد الطبقات، وتوفر لها القوات الأمريكية والفرنسية المنتشرة في المنطقة حماية فعالة نسبيًا، خصوصًا بفعل طول المسافة التي تحتاج الصواريخ والمسيرات الإيرانية لقطعها، والبالغة قرابة ألفي كيلومتر، وهذا ما يجعل الصواريخ والمسيرات القادمة من جنوب لبنان أكثر تهديدًا بفعل قربها من الكثير من الأهداف الحيوية الإسرائيلية".

ويمضي قائلًا: "وفي حال توسع الصدام، يتوقع هذا السيناريو أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات صاروخية وسيبرانية على قواعد الحرس الثوري الإيراني، في محاولة خاصة لتعطيل الأصول البحرية والجوية الصاروخية المنتشرة على طول الخليج وتمتد باتجاه الشمال الغربي على طول الحدود العراقية"، مضيفًا: "من المحتمل أيضًا، أن تستخدم الولايات المتحدة وإسرائيل أيضًا الهجمات الصاروخية والسيبرانية لضرب البنية التحتية للاتصالات، وصناعات الدفاع والفضاء، والقواعد البحرية ومهابط الطائرات المدنية".

ويشير القصاص إلى أنه إذا استمرت هذه الضربات، فإنها تستهدف أيضًا الموانئ البحرية المصدرة للنفط والغاز والبتروكيميائيات بما في ذلك معشور وعسلوية، وخاصة محطة نفط جزيرة خرج، التي تتعامل مع 90% من صادرات إيران من النفط الخام، لافتًا إلى أنه في المقابل، من المتوقع أن ترد إيران بالصواريخ الباليستية، والصواريخ الموجهة، والمضادة للسفن، والطائرات بدون طيار المسلحة، والمقاتلات البحرية السطحية والغواصات التي تستهدف القواعد والقوات الأمريكية حول الخليج، ورادارات الدفاع الجوي في جميع أنحاء جنوب المنطقة، فيما ستشمل الضربات الموانئ البحرية في جنوب الخليج، بما يعطل نشاط الموانئ لبضعة أسابيع، ويتطلب أسابيع إلى أشهر لإصلاحها.

الاشتباك البحري

ويشير القصاص إلى أن الاشتباك البحري يشكل ساحة حرب أساسية، لما له من أهمية عسكرية واقتصادية، متحدثًا عن أنه على أرض الواقع من المواجهة تستهدف جماعة أنصار الله (الحوثيون) السفن الإسرائيلية والأمريكية والبريطانية، أو تلك المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، أو المملوكة للشركات التي تنقل البضائع من وإلى دولة الاحتلال، وذلك في البحر الأحمر وخليج عمان بشكل أساسي".

ويردف قائلًا: وفي حال انخراط طهران في الحرب، فمن المرجح أن يتطور الإغلاق ليصبح شاملًا لكل من مضيقي باب المندب وهرمز ولمختلف السفن، وهو ما ستحاول الولايات المتحدة منعه من خلال الاستهداف الواسع لمصادر التهديد العسكري الإيراني والحوثي، وهو أمر بالغ الصعوبة في مضيق هرمز على الأقل بفعل مجاورته لإيران وامتداد خط الساحل الإيراني لمسافات كبيرة قبله وبعده".

ويسهب بالقول: "في حال دخول حزب الله اللبناني الحرب، إما منفردًا، ردًا على اغتيال القيادي فؤاد شكر أو ضمن جبهة مشتركة مع إيران، من المرجح أن يستهدف الحزب السفن العسكرية الإسرائيلية والسفن المتجهة إلى ميناء حيفا، إضافة إلى منصات النفط والغاز في البحر. وذلك باستخدام صواريخ أرض بحر، والطائرات المسيرة"، منوهًا إلى سيتحدد مدى الأضرار التي يمكن أن تحصل للأسطول البحري الإسرائيلي ولنشاط الموانئ الإسرائيلية بمستوى تطور التسليح البحري للحزب وللتكتيك العسكري الذي سيعتمده، حسب قوله.

الاشتباك البري

وفيما يتعلق بالاشتباك البري المحتمل، يرجح القصاص أن يكون الاشتباك البري مرحلة متقدمة من المواجهة، في حين قد تبدأ مناوشات تستهدف القوات الأمريكية في العراق وسوريا مبكرًا.

وعلى الأرض، يتواجد في العراق قرابة 2500 جندي أمريكي، تشعر الإدارة في واشنطن أنهم سيكونون في خطر في حال اندلاع الحرب، وهذا ما دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى أن يطلب من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تحمل مسؤولية حمايتهم، عقب عملية اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية.

وبالعودة لما قاله المحلل السياسي أشرف القصاص، فإنه في مراحل لاحقة، من الممكن أن تشمل المواجهة البرية جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة، وفقًا لمجريات الحرب، فيما في سوريا من المرجح أن يسعى النظام إلى النأي بنفسه عن المواجهة المباشرة، إلا أن قدرته على السيطرة على الجماعات الموالية لإيران على أراضيه مشكوك بها، علاوة على أن حزب الله قد يكون نجح في تأسيس بنية عسكرية على خط الحدود السوري الإسرائيلي.

إمكانية تطور الحرب المحتملة

وبحسب ما يعتقده أشرف القصاص، سيعتمد تطور الأحداث بشكل كبير على سلوك الأطراف الدولية الكبرى والقوى الإقليمية غير المنخرطة في الحرب بشكل مباشر، ففي حين تعلن الولايات المتحدة أنها ستدافع عن إسرائيل في حال مهاجمتها من قبل إيران، إلا أن ذلك قد يعني في بداية الحرب مجرد توفير الحماية الجوية من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، إلا أن تطور الحرب لتشمل "قصفًا إستراتيجيًا" من حزب الله وإيران سيدفعها بشكل شبه مؤكد للانخراط في الهجوم الجوي على الطرفين.

ويضيف القصاص أنه في حال تعرض العراق لقصف أمريكي أو إسرائيلي يستهدف مقار حكومية أو يوقع أعدادًا كبيرة من الضحايا المدنيين، فسوف تجد الحكومة العراقية نفسها أمام ضغط داخلي يدفع بها نحو المشاركة في المواجهة بشكل أكبر.

ويرجح القصاص أن تنأى تركيا بنفسها عن المواجهة، وألا تسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية لحلف شمال الأطلسي "الناتو" على الأراضي التركية، حتى لا تصبح طرفًا في الحرب مع إيران.

حرب «مستبعدة»

ورغم كل هذه السيناريوهات المتوقعة، يستبعد الباحث الفلسطيني أيمن الرقب، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، اندلاع حرب إقليمية، وذلك حال عدم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

ويقول الرقب، في تصريحات لـ"بوابة أخبار اليوم"، "أنا من الناس الذين يستبعدون فكرة اندلاع حرب إقليمية وأراها مستبعدة بشكل كامل، فقد يكون هناك قصف من حزب الله ورد من الاحتلال الإسرائيلي، ولكن دون الحديث عن حرب إقليمية واسعة أو دخول إيران في المعركة".

ويعتبر الرقب أن الحديث عن اندلاع تلك الحرب حال فشل المفاوضات هو عبارة عن تحريض من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ولكن هذا الأمر مستبعد تمامًا وقد يكون بمثابة وسيلة ضغط للوصول لاتفاق وقف إطلاق النار كما قيل في الإعلام عن وجود مقايضة مع إيران بعدم الرد على إسرائيل مقابل أن يتم وقف الحرب على غزة والوصول لاتفاق هدنة، ولكن حتى حال فشل جهود الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة استبعد أن تكون هناك حرب إقليمية".

ويؤكد الرقب أن المستفيد من اندلاع تلك الحرب هو نتنياهو، مضيفًا أن نتنياهو يريد حرب إقليمية تتورط بها الولايات المتحدة وحلف الناتو، مشيرًا إلى أنه يمكن أن يخوض أطراف من حلف الناتو وليس كل الحلف تلك الحرب وبدون قرار إجماعي لذلك.

التداعيات المحتملة للحرب

وحول التداعيات المحتملة لتلك الحرب حال اندلاعها، يقول أشرف القصاص: "في حال اتسعت الحرب وطال أمدها قد يكون لها تداعيات جيوسياسية طويلة الأمد، على صعيد انهيار أنظمة دولة أو أكثر من أطراف المواجهة، أو حصول تغير في الحدود بين دولتين أو أكثر لدى وقف إطلاق النار، إضافة إلى تغير الأوزان السياسية النوعية لمختلف القوى في المنطقة، وكل ذلك مرهون بمسار الحرب ونتائجها".

ويتابع قائلًا: "ويترافق مع حرب كهذه عادة موجات من اللجوء من البلدان الأكثر تضررًا، إضافة إلى أزمات إنسانية ناتجة عن نقص الغذاء والماء والطاقة".

ويختتم قائلًا: "إن حربًا إقليمية ستكون حدثًا يرسم الشكل السياسي، وربما الجغرافي، لدول المنطقة في السنوات اللاحقة لها، كما أنه يحمل خطر توسع المواجهة إلى مناطق أخرى في العالم، وخصوصا في حال انتهاز روسيا أو الصين فرصة الحرب لفرض وقائع جديدة في محيطهما الحيوي".

ولا تزال تلك الحرب المحتملة في علم الغيب، أما الواقع الآن أن الشعب الفلسطيني لا يزال يرزخ تحت نار العدوان، الذي خلف إلى الآن أكثر من 40 ألف شهيد، أغلبهم من الأطفال والنساء، وأكثر من 93 ألف جريح، إلى جانب نحو 10 آلاف مفقود تحت الأنقاض، يرجح أن جميعهم صار في عداد الأموات.