بين وعد بلفور ووعود ترامب.. معركة الفلسطينيين من أجل البقاء

سامح فواز
سامح فواز


"الجَراد لا يرحم حين يحل.. ويأكل كل ما يجده في طريقه حتى النخاع"، هذا أبسط وصف للممارسات الصهيونية العدوانية التي تتجدد يوم بعد يوم بوتيرة أشد وطأة، على أرض فلسطين وضد شعبها، في ظل مناورات استيطانية ماكرة تغفل عنها الأنظار.

وعد بلفور، الذي صدر عام 1917، كان بمثابة البذرة الأولى للمأساة الفلسطينية المستمرة حتى يومنا هذا، إذ أن هذا التصريح البريطاني المشؤوم، الذي منح اليهود وطناً قومياً في فلسطين دون اعتبار لحقوق سكانها الأصليين، مهد الطريق للاستعمار الصهيوني وما تبعه من نكبات، كما يمثل نموذجاً صارخاً للسياسة الاستعمارية التي تتجاهل حقوق الشعوب وتتلاعب بمصائرها. واليوم، بعد أكثر من قرن على صدوره، ما زلنا نشهد امتداداً لهذه السياسة الظالمة في الممارسات الإسرائيلية المستمرة من استيطان وتهجير وقمع، وكأن التاريخ يعيد نفسه في صورة أكثر قسوة وعنفاً.

انتهج الجراد الصهيوني منذ نكبة 1947 سياسة ممنهجة لتهويد الضفة الغربية والقضاء على آمال الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، فمنذ احتلال الضفة في عام 1967، عملت إسرائيل على بناء مستوطنات في مختلف أنحاء المنطقة، إلى الحد الذي أصبحت تسيطر على ما يقارب 61% من مساحة الضفة والقدس الشرقية، وبحسب الخرائط المعترف بها من الأمم المتحدة، تم تقسبم الضفة الى ثلاث مناطق: "أ" و"ب" و"ج"، حيث تخضع المنطقة "أ" للسلطة الفلسطينية، والمنطقة "ب" للسيطرة المشتركة بين الطرفين، بينما المنطقة "ج" تسيطر عليها إسرائيل بالكامل.

تبدأ الحكاية بقرار ترامب المثير للجدل في مايو 2018 بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، رغم المعارضة الدولية، لتكشف الاحداث اللاحقة عن الدور المؤثر الذي لعبه رجل الأعمال الصهيوني شيلدون أدلسون، الذي دعم ترامب بـ100 مليون دولار خلال حملته الانتخابية عام 2016 مقابل تحقيق هذا الوعد.

إلا ان الأمر لم ينته عند هذا الحد، فبعد وفاة أدلسون في 2021، ظهرت زوجته مريم مطالبة دونالد ترامب، المرشح الحالي لرئاسة الولايات المتحدة، بالموافقة على ضم الضفة الغربية لإسرائيل، كشرط لاستمرار دعمها المالي له في الانتخابات، ولم يتردد الاخير في تأييد هذه الفكرة، مشيرًا في أحد تصريحاته إلى أن مساحة إسرائيل "صغيرة جدًا" وأنها بحاجة لأراض جديدة.

إن هذه المناورات السياسية المدفوعة بالمال تعد احد الأملثلة الصارخة والصريحة على التأثير الخطير لنفوذ اللوبيهات الصهينونية في التلاعب بمستقبل القضية الفلسطينية. 

وفي ظل هذه المناورات السياسية المشبوهة التي تحركها المصالح المالية والجشع الاستعماري، تواصل الحكومة الصهيونية ممارساتها القمعية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فبينما كانت الأنظار موجهة نحو قطاع غزة في الوقت ذاته، قامت إسرائيل باتخاذ إجراءات تعسفية مجحفة تهدف إلى مواصلة تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع المستوطنات على حسابهم.

فقد كشف وزير الدفاع الإسرائيلي في 17 يوليو الماضي عن قرار هدم المئات من البيوت الفلسطينية تحت ذريعة "الأمن القومي"، بينما تواصل الحكومة توسيع شبكة الطرق والبنية التحتية لخدمة المستوطنات الجديدة التي تم إقامتها على أراض مصادرة من الفلسطينيين في المنطقة "أ"، إذ خصصت وزارة المالية الإسرائيلية ما يقارب 25% من ميزانية وزارة النقل لهذا الغرض.

هذه الممارسات البشعة تؤكد على النوايا الحقيقية للحكومة الصهيونية في محو الوجود الفلسطيني ومصادرة أراضيهم لصالح التوسع الاستيطاني، فبدعم من السلطات المحتلة، ينتقل المستوطنون الإسرائيليون إلى هذه البيوت والأراضي المصادرة كالسرطان ليستولوا عليها ويسرقوها بشكل علني والردع يكون لصاحب الأرض الذي يطالب بحقه!

هذه الممارسات تقضي على أي فرصة متبقية لتحقيق حل الدولتين، بينما تتعالى الأصوات المنادية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية.

في خضم هذا المشهد المُظلم، كانت مصر في طليعة الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني منذ نشوب الصراع العربي-الإسرائيلي في عام 1947، وعارضت بشدة أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الفلسطينيين من أرضهم، إذ قادت مصر الجهود العربية والدولية لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أعوام 2008-2009 و2012 و2014، وظلت تنادي في المحافل الدولية بوقف الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، مؤكدة على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

في نهاية الأمر أقولها للمستبشرين خير في مجئ ترامب، لا ينبغي أن ننخدع أو نأمل الخير من أي رئيس أمريكي، فكلهم على شاكلة من سبقهم في خدمة لوبيهات الصهيوينة، وليس من المعقول أن ننتظر الحل من أحد، فالقضية الفلسطينية هي قضيتنا، وعلينا أن نتحمل مسؤوليتها وأن نكون أصحاب الحل والبدائل فلا شيء سينصف شعب فلسطين سوى إرادتنا الجماعية وعزيمتنا في مواجهة الاحتلال والاستيطان.