الصيف بأيامه الطويلة ولسعات شمسه الحارقة يشعل فى القلب رغبة عارمة فى الوقوع في الحب، فالحب يخفف من حرارة الجو لكنه يزيد اشتعال القلب ويذهب العقل، نسمات الهواء ليلا تذكر المحبين بساعات لقائهم وضحكاتهم وحتى عتابهم، تلاطم أمواج البحر يحثهم على اللقاء وتجديد العهود، روائح فاكهة الصيف وشواء الذرة تجعلهم يحلمون بأن يجمعهم عش الزوجية الصغير قريبا، ألبومات كبار المطربين تشعرهم بحلاوة حبهم، فى الصيف تولد قصص الحب وتنمو بمرور الأيام، فصدقت مقولة «فى الصيف لازم نحب».

على البلاجات والشواطئ تشتعل قصص الحب وتنسج خيوطها، فنسمات العصارى وملح البحر المشبع باليود يحفز الجسم على إفراز هرموني السعادة والحب، أشعة الشمس تساعد على تغيير المزاج العام فيتدفق الدم إلى المخ ويجعله فريسة سهلة للوقوع فى الحب.
عائلات بأكملها تتجمع على الشواطئ تتجاذب أطراف الحديث وتتسامر ليلا، شباب وفتيات يختلسون نظرات الإعجاب، تتسارع دقات قلوبهم فـ«كيوبيد» بات لهم بالمرصاد، يتبادلون أرقام الهواتف بعيدا عن العيون ويتفقون على لقاء قريب، يحملون فى قلوبهم كلمات كثيرة تعبّر عما يشعرون به، لكن فى ساعة اللقاء تتشتت تلك الكلمات وتذوب، تتعانق أياديهم فى حياء ويشعرون كأنهم ملكوا الدنيا وما فيها، يرتبون موعدا جديدا للقاء فى الغد، يحلمون بأن تمتد قصة حبهم لشهور قادمة لتكلل بالزواج وحياة سعيدة لآخر العمر.

◄ زواج مصايف!
لم تكن تعلم رحمة أنها ستقابل حبيبها وزوجها المستقبلي على أحد شواطئ الإسكندرية المكتظة بالمصيفين، فالحب لم يخطر لها ببال من قبل أو يجول بخاطرها رغم اشتياقها لسماع قصص حب صديقاتها، فبداخلها هاجس وخوف من الفراق والهجر، إلا أن القدر كان له رأى آخر ففى إحدى نزهاتها مع عائلتها على الشاطئ قابلوا عائلة صديق قديم لوالدها صدفة، بدأوا يتجاذبون أطراف الحديث ويتذكرون مواقف قديمة جمعتهم سويا، لتصطدم رحمة بعين تراقبها على استحياء وفي تلصص، فكانت عين أحمد الابن الاكبر لصديق والدها والذي يعمل مهندسا بوزارة الكهرباء، لتبادله رحمة الإعجاب وتبدأ بينهما أحاديث خافتة سرعان ما تتحول لمحادثات طويلة ولقاءات متفرقة تباركها الأسرتان، رائحة البحر كانت ملهمة لقصة حبهما، حيث جعلتهما يتعرفان على بعضهما بعيدا عن زحام وضجيج العاصمة، وقبل انتهاء إجازة الأسرتين الصيفية تمت الخطبة وقراءة الفاتحة على شاطئ العجمى وسط زغاريد المصيفين، ودعواتهم للعروسين بتمام الزيجة وحياة أسرية سعيدة.
◄ اقرأ أيضًا | إقبال كبير على مصيف جمصة خلال أيام عيد الأضحى المبارك
◄ لقاءات الكورنيش
كورنيش النيل طويل الامتداد يحتضن قصص حب مراهقة وناضجة على حد سواء، عشرات المحبين يتجمعون أمامه ليلا يبثون أشواقهم ولوعتهم، كما يعاتبون بعضهم بعضا، النهر الخالد شاهد على غرامهم كما كان شاهدا من قبل على قصص حب أجدادهم الفراعنة، وفى مقدمتهم إيزيس وأوزوريس، تناغم نسمات الليل مع أصوات باعة الترمس والآيس كريم تخلق بداخلهم حالة من الود والدفء، ليل الصيف القصير يدفعهم ألا يوقفوا أحاديثهم الطويلة، بائعو الزهور يستغلون حالة هيام المحبين فيعرضون بضاعتهم عليهم بدلال ورجاء، فيسارع الحبيب بشراء وردة يقدمها لمحبوبته تعبيرا عن حبه لها ويطلب منها أن تحتفظ بها، يسيرون سويا متعانقى الأيدى ليتحدثوا عن خططهم المستقبلية وماينوون فعله كى تكلل قصة حبهم بالزواج، لايهتمون برطوبة الصيف ولزوجته فيكفيهم اقتسام كوب من عصير القصب المنعش لتخفيف حرارة الجو.
تقول «ن.س» (23 عامًا): «كورنيش نيل المعادى مكانى المفضل للقاء خطيبى بعد يوم عمل شاق حيث نسير معا ونتحدث عن تجهيزات شقة الزوجية وما ينقصنا من مستلزمات وإمكانية تدبير نفقات زواجنا، فذلك الكورنيش كان شاهدا على قصة حبنا وعلى حوافه اعترف كل منا للآخر بحبه، مضيفة أن نسمات هواء النيل تخفف من حدة مشكلاتنا وترطب من حرارة قلوبنا عند اشتعال الخلافات وهو مايجعلنا نحلها سريعا».
وتشير إلى أن الصيف هو الوقت المثالى للدخول فى علاقات الحب والزواج فالتعرض لأشعة الشمس يحسن الحالة المزاجية وكذلك نسمات النيل مما يزيد من إفراز هرمون السعادة ويجعل القلب فى حالة استعداد للحب، كما أن الصيف يمتاز بفرصة قضاء وقت طويل مع الحبيب وهو ما يؤجج من علاقة الحب ويسمح لهما بمزيد من النشاطات اليومية.
◄ بعد الغروب
أما «على.خ» (27 عامًا)، فيقول: مع بداية الصيف أشعر بتجدد نشاطى اليومى وإمكانية تجديد لقائى مع حبيبتى بعد انتهائى من عملى فى أحد مكاتب المحاسبة، فلقاءاتنا عادة ماتكون بعد غروب الشمس فى واحدة من الحدائق الواسعة أو الكافيهات المطلة على النيل، لا يهمنا حرارة الصيف حيث نستطيع التغلب عليها بتناول المثلجات والعصائر الباردة، إلا أن حرارة الحب لا علاج لها، مشيرًا إلى أن حب الصيف هو الأبقى والأكثر اشتعالا مقارنة بالشتاء البارد والعواصف الرعدية التى تجعل النفس أكثر ميلا للكآبة والعزلة.
ويرى على أن لقاءات الأحبة فى الصيف عادة ماتمتد لساعات الليل المتأخرة خاصة فى أيام العطلات الأسبوعية فأغلب العائلات تهرب من حرارة المنازل إلى الحدائق العامة والكورنيش وهو مايسهل عليه لقاء حبيبته وقضاء وقت معها، مشيرا إلى أنه ينوى خطبتها فى نهاية شهور الصيف الحالى.
◄ خروجات الحدائق
تكتظ الحدائق والمتنزهات العامة بعشرات المحبين الذين وجدوا فيها متنفسا ومكانا رحبا يبثون فيه مشاعرهم الملتهبة، الأشجار العالية والورود متناثرة الألوان تضفى عليهم هدوءا وسكينة، كما تشجعهم على البوح بمكنون قلوبهم، ضحكات الأطفال القريبة تجعلهم يحلمون ببيت صغير وحياة زوجية هانئة، نسمات هواء صيف أغسطس تجعلهم فى حالة هيام دائمة.
وبالطبع فإن زيادة عدد المتنزهـــات والحدائق زاد من أعداد المحبين واشتعلت قصص حب كللت بالزواج والخطوبة.
تقول «منة.ر» (21 عامًا): التنزه فى الحدائق مع خطيبى يولد بداخلى شعورًا ببرودة الجو فلا أشعر بصيف أغسطس ولا حرارته العالية، فقصة الحب التى نعيشها معا وحديثنا الذى لاينتهى أفضل علاج للتغلب على أشعة الشمس المزعجة، مؤكدة أنها تجد فى فصل الصيف فرصة رائعة لقضاء وقت أطول مع خطيبها.
وتضيف: زيادة أعداد الحدائق ورسومها المتواضعة جعلتنا نستطيع التنزه سويا دون الشعور بأى ملل، بخلاف إمكانية التقاط صور رائعة تخلد قصة حبنا ولنحتفظ بها لأطفالنا فى المستقبل.
◄ سحابة صيف
من جانبها، تقــول الدكتورة ريهام عبدالرحمن خبيرة الإرشاد النفسى: يعتقد الكثير من الشباب أن الحب مرتبط بفصل أو زمن معين، لكن الحب لا سلطان عليه سواء أكان وقتا أو مكانا، فكل إنسان معرض للوقوع فى الحب بشعوره بعدة تغيرات هرمونية ومشاعر متأججة، مشيرة إلى أن الفراغ قد يدفع الكثيرين للشعور بمشاعر حب مزيفة خاصة لدى المراهقين وصغار السن فينظمون رحلات ولقاءات سويا ولكن سرعان ماتختفى تلك المشاعر.
وتضيف: من المعــروف أن هــناك ما يسمى بـ«موسم الاكتئاب» وعادة ما يكون فى فصلى الخريف والشتاء، حيث تتقلب وتتبدل المشاعر، والمراهقون الأكثر تأثرًا به، لذا على الأهل ضرورة التواصل مع أبنائهم وبناء علاقة قوية تقوم على تبادل الآراء والمناقشة، مــؤكــدة أن بعـض عـلاقات الحــــب المزيفة المبنية على قواعد غير سليمة ماهى إلا مجرد سحابة صيف سرعان ماتزول وتختفى.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







