يوميات الأخبار

فروق توقيت المشاعر!

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


لا يكف عن الثرثرة، يتكلم فى كلّ الأمور دون معرفة، بيقين يجعل الجاهل يحسبه من أولى العلم. ولأننى لستُ فظا غليظ القلب لا يُمكننى سلْبه الإحساس بالذات.

وقوف اضطرارى

الأربعاء:

بالتأكيد نشعر بتقدّم العمر تدريجيا، لكنّ انشغالنا بالرحلة يُلهينا عن تفاصيل تُظهر اختلافاتٍ فى الشكل والمجهود، إلى أن نتوقف اضطراريا بمحطاتٍ تضعنا فى مواجهة شعورٍ أشبه بالصدمة. 

اليوم تحديدا مررتُ بهذه الحالة. زارنى اثنان من الشباب، تفصلنى عنهما ثلاثة وثلاثون عاما. وِفْق معايير الزمن، وجدتُ نفسى أمام فارقٌ قدره جيلٌ كامل، بما يعنى اختلاف الرؤى والأفكار والأحلام، بل وحتى اللُغة المستخدمة فى حوارٍ حول التاريخ المصرى القديم. بحُكم الأمر الواقع، فرضتُ ثرثرتى على ضيفىّ، دون أن أفكّر للحظة فى مدى استيعابهما لما أقوله. غالبا كان كل منهما يعيش الإحساس ذاته، فالزمن كفيلٌ بخلْق لغة مغايرة. الحروف هى الحروف، والمفردات واحدة، لكنّ اصطفاف العبارات بجوار بعضها يبدو مختلفا. ضُحى البكرى ومروان عجمى فى عُمْر ابنى سيف الدين، الذى لا يقتنع بأفكارى غالبا. أحيانا يتحلّى بالأدب، وفى مراتٍ أخرى نصل لحدّ المواجهة، كلٌ منا يحاول فرْض وجهة نظره، إلى أن نتوقف فى محطة صمْتٍ، وكلٌ منا مقتنعٌ بأنه يمتلك الحقيقة المُطلقة.

جاء الاثنان لأخْذ مشورتى فى فيلمٍ وثائقى يرغبان فى إنتاجه. صححتُ لهما بعض المفاهيم، وأوضحتُ حقائق لا تزال بعيدة عن إدراك مروان كاتب السيناريو. أهدانى رواية كتبها ونشرها فى هذه السنّ الصغيرة، وكعادتى انطلقتُ فى تنظيرٍ يسبق قراءة العمل. استمع الأديب الشاب وناقش واقتنع ظاهريا، والزمن وحده كفيلٌ بتأكيد أو نفى مدى اقتناعه بما قُلتُه. وإلى أن يحسم المستقبل الأمر، سأظّل مُقتنعا أننى أقبض على جمْر اليقين.

روبى «موديل» 1920!

الخميس:

هل هو الإيقاع تغيّر؟ أم أنّ الأفكار تنضج فى سياقٍ بالغ الاختلاف؟ أطلّ من شباك مكتبى على مدينة متناقضة. المشهد يجمع بين منشآت وليدة وأخرى عتيقة. كلٌ منّا سيميل إلى النمط الذى يليق بموقعه على مقياس الزمن، وسوف تُمارس فروق التوقيت لعبة رسم رؤانا على هواها. أجلس أمام المكتب وأتصفح «فيس بوك»، ذلك الكائن القادر على اختراق خصوصيتنا بإرادتنا. تتوالى المنشورات حتى أتوقّف عند أحدها. إنها الصدمة!

يُمكن أن يعرف موقع التواصل الشهير كل شىء عنا، لقد منحناه حقّ اقتحامنا منذ البداية، لكن كيف يُمكنه التسلل لأفكارى؟! يُواجهنى فيديو لمطرب شاب اسمه مصطفى زاهد، يُمسك عودا مع زميل له يضرب على الدُف.

أهوى الطرب الأصيل لهذا قادنى الفضول لسماعه، خاصة أن التعليق المصاحب منحنى قدرا لا بأس به من الدهشة. كان: لو روبى غنت «ليه بيدارى» سنة 1920! اختار الفنان الشاب إحدى أغنيات روبى التى أطلقتها منذ عشرين عاما، عندما تبنّت مع مكتشفيها أسلوب إثارة الجدل بالجرأة، قبل أن تنتبه لإمكانياتها كممثلة تستطيع تحقيق شهرة أكبر بأدائها المتميز.

الشاب مصطفى قدّم الأغنية بإيقاع موسيقى يزيد عمره على قرنٍ من الزمان. الكلمات تقول: «بقالى ليالى ما جالى حبيبى ما جالى ..

لا ريّح لى بالى ولا دارِى باللى جرا لى.. وانا اعمل ايه فى اللى بحبه»، وتواصل: «طب ليه بيدارى كده ولا هو دارى كدا ولا انا دارى».

الإيقاع بالغ الرتابة فجّر شُحنةً من الشجن بداخلى. أتعجّب لأننى لم أنتبه أصلا لكلمات الأغنية عند تقديمها للمرة الأولى منذ أعوام. غالبا انشغلتُ مع غيرى بالفنانة التى تراهن على العيون لا الآذان لاجتذاب متابعيها، بأداءٍ صاخبٍ وحركات تُخرج النظرات المُفترسة من جحورها! استنتجتُ ذلك عندما عدتُ إلى «الكليب» الأصلى. تعجبتُ من جديد، الكلمات هى الكلمات، وحده الإيقاع استطاع أن ينقلنى بين حالتين وزمنين، ومن يرغب فى استيعاب «اللى جرالى» أن يعود إلى «الكليب» الأصلى، ويقارنه بما جرى بعد إعادة صياغته بواسطة المطرب المذكور. إنه فارق التوقيت، تلك الفكرة التى شغلتنى قبل قليل فالتقطها «فيس بوك» وأعاد تصديرها إلىّ بشكل لا يخطر على بال. 

لحظة. هل تسلّل الموقع إلى أفكارى؟ أم أن الطبيعة البشرية تملك القدرة على تفسير أى أمرٍ بشكلٍ يُناسب قناعة صاحبه؟!

طوابير عُشاق الأدب

الجمعة:

لليل القاهرة سحرُه، حتى مع وجود سائق ثرثار يرتدى عباءة العارف ببواطن الأمور. يُكرّر كلّ بضع دقائق عبارة مُستنسخة، يتفاخر فيها بركّاب اعتقدوا أنه حاصلٌ على مؤهلٍ عالٍ، رغم أنه حصل على الدبلوم فقط. أتعجب من كونه تابعا لشركة خاصة ولا يكف عن الثرثرة، يتكلم فى كلّ الأمور دون معرفة، بيقين يجعل الجاهل يحسبه من أولى العلم. ولأننى لستُ فظا غليظ القلب لا يُمكننى سلْبه الإحساس بالذات، وهكذا اكتفيتُ بتعليقات تتفاوت بين كلمة واحدة وهمهمة غير مفهومة، وأحيانا هزّة رأسٍ سيراها بالتأكيد، لأنه يلتفتُ إلىّ كل بضْع لحظات، رغبة فى اقتناص نظرة انبهارٍ منّى بفصاحته. لم أتمكن من إبداء إعجاب زائف ولو على سبيل المجاملة، فبالغ فى محاولاته وسلبنى فرصة اجترار سعادة مُستحقة بلقاء انتهى قبْل قليل.

امتلأتْ قاعة الفندق بالضيوف رغم اتساعها، وهى التى اعتادت الزحام فى الأفراح والحفلات الفنية فقط. ضيوف هذه الليلة مختلفون، فاللقاء أدبيٌ خالص، يحتفى بمسيرة الروائى السودانى عبدالعزيز بركة ساكن، الذى تحاوره الأديبة المبدعة منصورة عزّ الدين، بينما تولّيْتُ مسئولية التقديم والإدارة، مع قليلٍ من المشاكسة. الحاضرون يتنوعون بين أدباءٍ وإعلاميين وقرّاءٍ عاديين، والقاعة المُكتظة تؤكد أن الأدب لا يزال قادرا على الحشد، خاصة مع طوابير عشاق القراءة للحصول على توقيع على رواية أو صورةٍ مع بركة ساكن.

فى مرّاتٍ سابقة اجتذبنى مشهد الطوابير أمام كُتّاب ساهمت الـ «سوشيال ميديا» فى انتشارهم، رغم ضحالة ما يُقدمونه من أعمال، غير أن الأمر مُختلفٌ مع الأديب السودانى القادم من النمسا، لأن إبداعه راسخٌ أدبيا وترجماته انتشرتْ فى الغرب، قبل وصوله إلى مصر بسنوات. حاورتْه منصورة باقتدار، بينما أعربتُ عن إعجابى بثلاثة أعمال قرأتُها له.

هى: «الأشوس»، «الطواحين»، و»مسيح دارفور». وأكدتُ سعادتى بالتواجد مع مُبدعين لدى كلّ منهما مشروعٌ روائى يمتد عبر مُجمل أعماله، برعاية دار نشرٍ شابة اسمها «فاصلة»، نظّمتْ الندوة ومنحتْ أمسيات المدينة الكبيرة ليلة استثنائية.

بعد انتهاء اللقاء «نابنى من الحب جانب»، فقد حرص عددٌ من الحاضرين على التقاط صورٍ معى. إنها جاذبية المنصة، التى نقلتْ عدوى الإعجاب من الأديبين الكبيرين إلىّ. مضيتُ إلى خارج الفندق فى النهاية، وبداخلى شعور بالسعادة، استمر معى حتى الآن.
حفريات رومانسية!

الأحاسيس واحدة، تنتقل عبر المكان والزمان بانسياب مرِن، قد تتراجع وسط الانشغالات والمشكلات غير أنها تبقى صامدة. تختلف طُرُق التعبير عنها بالتأكيد، فغزل قصائد الشعر الجاهلى أصبح من «حفريات الرومانسية»، إذا قورن بأساليب تداوُل العواطف فى عصر الـ«سوشيال ميديا»، وفى النهاية تظلّ القلوب تنبض، وتحتفظ العيون بقدرتها على توصيل الإحساس. الحبّ ثابتٌ رغم اختلاف أولويات المحبّين وأساليب تعبيرهم فى الأزمنة المختلفة. كلّ ما فى الأمر أنه ينبغى على العاشقين، مراعاة فروق توقيت المشاعر!