«انتظار» قصة قصيرة للكاتب حسام أبو سعدة

الكاتب حسام أبو سعدة
الكاتب حسام أبو سعدة


ذهب أبناؤها يلهون بالكرة مع أصدقائهم، وجلست "فاطمة" تتناول الشاي بمفردها في الشرفة. الدار مقامة على أطراف مدينة "عمان" العريقة. الصحراء مترامية الأطراف. القطار يمر من بعيد لا يأبه لأحد. خلف قضبان السكة الحديد تمتد مزارع الزيتون والنخيل. النخيل يتمايل، يترنح كأنه يبكي وينتحب وهو يودع الشمس إلى مثواها الأخير...

رأت سيارة زوجها " مروان " تقترب، يبدو أن هناك ضيفًا برفقته. استنشقت نفسًا عميقًا في استسلام ثم اتجهت إلى المطبخ لإعداد العشاء. سمعت زوجها وهو يرحب بضيفه. بعد قليل رأته بجوارها في المطبخ  وعلى شفتيه ابتسامة مضطربة، سألته عن السبب، فأجاب:

- ضيفنا تاجر من منطقة "السلط".

 تحجرت "فاطمة" في مكانها دون أية حركة، لمعت عيناها ببريق الذهول ثم سألت بصوت متهدج:

- ماذا تقصد؟

- الرجل يقول أن لديه أخبار عن "مريم".

انتفضت كل عروقها وهى تقول في عناد:

- سنسافر الآن.

حاول "مروان" أن يبدو متماسكًا و هو يربت على كتف زوجته ويقول:

- سنسافر مع آذان الفجر.

ألقت "فاطمة " الأطباق التى كانت على المنضدة وهى تصرخ في جنون:

- سنسافرالآن.

اقتحم الضيف المطبخ وهو يسأل عما حدث فراحت "فاطمة" تضرب المنضدة بكل ما أوتيت من قوة وهى تصرخ باكية:

- سنسافر الآن.. الآن..

في الطريق كان الظلام موحشًا والضباب مرعبًا. استندت "فاطمة" برأسها على نافذة السيارة، ارتجفت رجفات خفيفة سريعة مع الطريق ثم أغمضت عينيها في استسلام.

 لقد عبرت هذا الطريق من قبل لكن في الاتجاه المعاكس. حدث ذلك منذ ستة سنوات تقريبًا، حدث ذلك في عام 1967، عندما هاجم الجيش الإسرائيلى مدينة "القدس". في هذه الأيام راح "مروان" يلملم كل ما خف وزنه وغلا ثمنه ثم فروا هاربين في اتجاه الأردن. في منطقة وادى الكرامة التقوا كتيبة عسكرية تابعة للجيش الأردنى. كانت الكتيبة في طريقها إلى منطقة "السلط". وافق القائد على انضمامهم للكتيبة لحمايتهم من مخاطر الصحراء والهجوم الإسرائيلى الكثيف.  عاون الأب الطفلان على الصعود إلى أحد العربات  بينما حمل أحد الضباط الطفلة الرضيعة "مريم" حتى تتمكن "فاطمة " من الصعود إلى العربة المرتفعة. في أثناء ذلك عاودت المروحيات الإسرائيلية هجومها. اشتعلت النيران في كل مكان، زُلزلت الأرض تحت الأقدام. جرى الجميع، كل منهم يختبئ في ماكن مختلف. عندما ذهبت المروحيات خرجوا من مخابئهم. لم يكن هناك سوى "مروان" والطفلان و"فاطمة". راحوا يفتشون عن "مريم" بين العربات العسكرية المشتعلة. الجثث تتناثر في كل مكان، الأرض تتشرب الدماء، رائحة النابالم تزكم الأنوف... اختفت "مريم" والضابط الذى كان يحملها. فتشوا في كل الكهوف والجحور ثم صرخت "فاطمة" بكل قوتها تنادى: "مريم "..."مريم"... فراح صوتها يجلجل في الصحراء دون مجيب...

ذهبوا إلى مدينة "السلط". حاول الأب البحث في السجلات العسكرية عن أسماء الضباط الذين كانوا في الكتيبة. اتصل بهم جميعًا دون جدوى... في النهاية قال أحد القادة:

- لو كنتم تقصدون الكتيبة "76 مدرعات "، للأسف، لم يعد منها أحد.

عندما سمعت "فاطمة" ذلك سقطت مغشيًا عليها. طالت فترة الغيبوبة إلى أن استدعوا الطبيب الذى أمر بحجزها في غرفة مظلمة بمفردها. حذر زوجها من أى صوت أو ضوء. ارتفاع ضغط الدم الشديد المفاجىء الذى حدث قد يصيب خلايا المخ بالتلف. لا بد من الالتزام بالهدوء و الحذر الشديد...

لولا الولدان لاستسلمت "فاطمة" للمرض حتى الموت. لم تقاوم وتجاهد إلا من أجلهما.. استعادت عافيتها خلال بضعة أسابيع ورحلوا جميعًا إلى مدينة "عمان".

 عندما استأجر "مروان" هذه الدار على أطراف المدينة، أعدت "فاطمة"  حجرة  خاصة لـ "مريم" وهى تقول لزوجها: لا بد ستعود في يوم من الأيام. يجب أن يكون لها حجرة منفصلة عن حجرة الغلامين.. فراح يربت عليها برفق موافقًا وإن كان في داخله قد استسلم تمامًا للأمر الواقع وبدأ يعاود نشاطه التجارى مرة أخرى...

 اليوم، التقى مصادفة هذا التاجر. قص عليه قصة "مريم" لمجرد الثرثرة فقط، فإذا بالتاجر يخبره بأن هناك طفلة في السادسة من العمر الآن، أتى بها أحد الضباط من "السلط" وقد قامت إحدى نساء البلدة بحضانتها ورعايتها...

 انتفضت عروق "مروان" في عصبية، انفجر بركان الأمل من جديد. من يدرى؟!... ربما تكون الكتيبة التى التقوها تختلف عن الكتيبة "76مدرعات"... و هم الجميع بالرحيل في قلق...

            وصلوا إلى البلدة بعد منتصف الليل، راحوا يجوسون في الظلام كأنهم أرواح هائمة شقية تبحث عن ضالتها، بينما راحت "فاطمة" تقفز في نشوة، تتعثر في الظلام، تضم جلبابها وهى تضحك في جنون، ثم تقول في تهدج:

- كنت أشعر بها دائمًا على قيد الحياة.. أسمعها أثناء الليل وهى تنادينى.. قلب الأم لا يكذب أبدًا... أبدًا...

اقتحموا الدار في غبش الظلام. اعتصرت "فاطمة" الطفلة الهزيلة التى أشارت إليها ربة المنزل... اختلطت دموع الابنة بدموع الأم. بكى الجميع في فرح،  زغردت صاحبة الدار وإن كان قلبها يخفق بشدة لمرارة الفراق بينما راح "مروان" ينتزع الطفلة في عصبية من أحضان "فاطمة" الملتاعة، فحص قدمها اليسرى ثم صرخ في جنون:

            - هل جننت ؟.. اعقلي.

سألت صاحبة الدار في قلق:

- ماذا تقصد؟

أجاب "مروان" والعرق يتفصد منه بغزارة:

- إنها مثل ابنتى، وليست ابنتى.

 سأل التاجر في ذهول:

- كيف عرفت ذلك بمثل هذه السرعة؟

ألقى "مروان" بكل ثقله على المقعد في استسلام ثم قال:

- في الطريق كنا نقضى الليل في الكهوف. في أحد هذه الكهوف التهم  الفأر إصبع قدم "مريم" اليسرى.. وقدم  هذه الفتاة سليمة..

عادت "فاطمة" إلى "عمان" وهى تمسك برأسها. طنين غريب يصم أذنيها. طلقات نارية تخترق رأسها. انفجار البارود مصحوبًا بالموسيقى الصاخبة ثم ضحكات ماجنة ساخرة.

منذ هذا اليوم، أصرت على المبيت بمفردها في حجرة "مريم". وافق الزوج على مضض. بعد يومين حاول مداعبتها فنهرته قائلة:

- "مريم" التحقت بالمدرسة.

تحجر في مكانه وهو ينظر إليها متشككًا فقالت مؤكدة:

- رأيتها بالأمس تجلس في حجرتها تخط بيدها الصغيرة كلمات بسيطة في خط متعرج. تهز رأسها من حين لآخر سعيدة بضفيرتها الطويلة. تحك رأسها بيدها وهى ممسكة بالقلم محاولة التركيز في دروسها فيخط القلم على وجهها دون أن تشعر بذلك، فأخذت بيدها لأعينها على الكتابة...

احتقن وجه "مروان " بدماء الغضب، ثم قال ثائرًا:

- يجب أن تعلمى أن "مريم" ماتت. يجب الاهتمام بطفلينا لأنهما المستقبل. 

            اتهمته "فاطمة" بالأنانية والجشع، يبحث عن المال في كل مكان ويهمل البحث عن ابنته...

خرج "مروان" من الدار غاضبًا. أصبح  لا يأتى إلا نادرًا... علمت من الجيران أنه تزوج بأخرى. اشترى لها دارًا أخرى قريبة من هنا، يقضى معها أوقاتًا سعيدة وحياة هانئة وادعة بعيدًا عن الأوهام والأحزان...

لم تحاول استعادة زوجها. لم تعاتبه أو تناقشه... أصبحت تخدم طفليها طوال النهار بجد وإخلاص كأنها جارية تنفذ أوامر أسيادها دون نقاش. تخرج إلى السوق لشراء لوازم البيت دون أن تبدل ثيابها. تترك شعرها مهوشًا.. تتشاجر أحيانًا مع البائعين لأتفه الأسباب. أحيانًا أخرى تصمت لمدة أسبوع كامل... تمر الأيام وهى تفقد أنوثتها وكل إحساس بالحياة...

 في ذات يوم، استيقظت من نومها في قمة السعادة. راحت تغنى وترقص وهى ترتدى ملابس جديدة. مشطت شعرها بدقة، وضعت بعض مساحيق التجميل ثم انطلقت توزع أكواب الشربات على الجيران وهى تجيب كل من يسألها عن السبب بصوت متهدج مرح:

- "مريم" التحقت اليوم بكلية الهندسة.

مصمصت الجارات شفاههن في شفقة فراحت تؤكد لهن:

- "مريم" نفسها هى التى أخبرتنى بذلك. كافحت المسكينة كثيرًا لكى تكون مهندسة تبنى وتعمر كل مكان...

منذ هذا اليوم، بدأ الشعور بالارتياح يجتاح نفسها. ربما يكون هذا الاريتاح ناتجًا عن ثقة المؤمن بربه... أو الاستسلام لقضائه... لا  أحد يعرف... أصبحت تخدم  ولديها بنفس راضية، تتعامل مع الجيران والبائعين برصانة.. عندما ينقضى النهار تخلد إلى النوم في هدوء و هى تؤكد لنفسها أن المروحيات الإسرائيلية لم و لن  تقضى على حياة "مريم".

  لكن، دائمًا  لكن... فترات السعادة لا تدوم كثيرًا. كبر الولدان. رحل الابن الأكبر إلى "دمشق" لتنمية تجارة والده. بعد عدة أشهر رحل الابن الأصغر إلى "القاهرة" بحثًا عن أسواق جديدة... بقيت "فاطمة" وحدها في الدار الكبيرة...

            راحت تتجول بين حجرات الدار بمفردها. دقات حذائها تتردد عالية فيرتجف القلب برهبة. في أثناء الليل يسمعها الجيران و هى تصرخ و تنتحب، تنادى أولادها الثلاثة دون مجيب...

            شعرت بشبح الموت يحوم حولها فقررت الرحيل إلى "دمشق" لقضاء بضعة أيام مع ابنها ثم إلى "القاهرة" لقضاء أيام أخرى مع ابنها الأصغر... لا يوجد ما هو أبشع من أن يموت الإنسان وحيدًا دون أن يشعر به أحد.

             لملمت بعض حاجياتها  القليلة وانطلقت إلى الحافلة الذاهبة إلى "دمشق".  في الطريق وقفت الحافلة في منطقة "الرمان" للاستراحة.  كان الناس يهرولون إلى المسجد  لأداء صلاة العشاء  فانطلقت معهم. بعد الصلاة مددت جسدها المثقل بحثًا عن بعض الراحة.

            شعرت بعصا تنغرس في جنبها. هبت جالسة لترى أمامها شيخًا عجوزًا يرتدى جلبابًا أبيض، له لحية بيضاء كثيفة، عيناه تلتمعان ببريق الثقة والإيمان. قال الشيخ مبتسمًا في هدوء:

- يجب أن نغلق المسجد الآن. المبيت هنا ممنوع.

            خرجت من المسجد تتلفت حول نفسها في جزع. رحلت الحافلة... ماذا تفعل؟... ليس معها نقود أو أى أوراق تثبت شخصيتها.. لا تعرف أحد هنا...  لاحظ الشيخ ارتباكها. علم بحكايتها  فربت على كتفها برفق قائلًا:

-  سأحضر لك العشاء الآن. في الصباح سأدفع لك مصاريف الرحلة من أموال الزكاة الموجودة في المسجد.

بكت و هى تقول:

- ليس لدى أى رغبة في الطعام.

- ماذا تريدين إذًا؟

انفجرت في البكاء مثل طفل صغير ثم قالت في تهدج:

- أريد رؤية أولادى. أريد الاطمئنان على "مريم" ورضيعها قبل أن أموت.

            ثم راحت تقص عليه قصة "مريم" وصدرها يعلو ويهبط في تشنجات عنيفة... ثم أكملت:

            ـ أشعر بها قريبة منى. أعلم أنها أصبحت مهندسة وأنها تزوجت وأنجبت.. لا أعرف أين هى؟

            جحظت عينا الشيخ في ذهول ثم قال بصوت متحشرج:

- أصبحت مهندسة بالفعل، تعيش هنا مع زوجها وابنها الرضيع. ابنتك هى التى شيدت هذا المسجد بعد أن درست الهندسة المعمارية... أنا الذى ربيتها بعد مقتل الضابط الذى كانت معه ومازلت أحتفظ بالملابس التى كانت ترتديها حتى الآن.

            برقت عيناها في هلع، تشنجت كل عضلات وجهها. هبت تسجد شكرًا لله ثم التفتت إليه تقبل يده وهى ترجوه أن يقودها إلى "مريم" الآن…

            أخذت "فاطمة" ابنتها في أحضانها بعد فراق طال أكثر من ربع قرن… بكى الجميع في فرح وشجن وألم… بعد أن هدأت ضجة اللقاء حاولت "مريم" إطعام أمها بيدها لعل هذا يخفف عنها بعض الحرمان بيد أن "فاطمة" رفضت بشدة وهى تقول:

- لا أرغب إلا في النوم بهدوء وحفيدى في حضنى.

            جرت "مريم" تعد فراشًا وثيرًا في عجالة. في الصباح ، أيقظوا "فاطمة" فلم تستيقظ .

             فاضت روحها إلى ربها الكريم بينما كان الحفيد يلهو بجوارها في الفراش...