كان للصداقة معنى كبير فى حياة الشاعر الفلسطينى الكبير الراحل محمود درويش، وفى احتفالنا بذكراه نستضيف واحدًا من أقرب أصدقائه، وهو الشاعر الفلسطينى الكبير طاهر رياض، الذى قال عنه «درويش»: «طاهر رياض صديق من غير سوء، معه أستطيع الثرثرة والبوح الشخصي، والصمت دون حرج، فالصديق هو من يصغى إلى صمتك، وتصغى إلى صمته بانتباه المؤتمن على سر»، تواصلت مع طاهر لأطلب منه أن يشاركنا الاحتفال بذكرى درويش، وأخبرته أن مشاركته يجب ألا تزيد على 250 كلمة، فتعجب وقال لى: كيف أحكى ذكريات 20 عامًا فى 250 كلمة فقط، فأكدت له أنها المساحة المتاحة، ولم أكن أعلم أن للـ 250 كلمة حكاية بينهما..
بدأ «رياض» حكاياته قائلا: سأكتفى بسرد واقعة حدثت بيننا، قد تحمل دلالاتٍ على نبل أخلاقه ولطفه وعمق الصداقة التى جمعتنا، ففى عام 2005، صدر لى كتاب شعرى هو عبارة عن قصيدة طويلة بعنوان «كأنّه ليل»، وكان الراحل الكبير قد قرأها مخطوطة، ونالت رضاه، وزكّاها عند الناشر رياض الريّس ليتمّ نشرها دون تأخير، وحدث أنّ مدير المتحف الوطنى للفنون الجميلة فى عمّان طلب أن يُقام حفل توقيع للكتاب فى قاعة المتحف، ولم أوجّه دعوة إلى «درويش» لحضور ذلك الحفل، إكبارًا له عن حضور حدثٍ صغير كهذا، لكنّنى فوجئت عند وصولى إلى المتحف أنّه سبقنى إلى هناك، وسألنى عمّن سيقدّمني، قلت: مدير المتحف بالطبع، قال: أخبره أننى أنا من سيقدّمك، وبمشاعر تختلط بها الدهشة والامتنان، أعربت له عن ابتهاجى بمبادرته الكريمة هذه.
ويضيف «طاهر»: فوجئت والحضور بكلمة مكتوبة «فى حوالى مائتين وخمسين كلمة!» على ورقتين، تضمنّتا قراءة عميقة، ولو موجزة لتجربتى الشعريّة، وإلماحة إلى علاقة الشعر بالشاعر كما ينبغى أن تكون، من دون أن ينسى التوكيد على معانى الصداقة التى ربطت بيننا خلال ما يزيد على خمسة عشر عامًا، بعد انتهاء الندوة، قدّم لى الورقتين قائلا: أظنّك تودّ الاحتفاظ بهاتين.
عدت إلى مكتبتى حاملا الورقتين كمن يحمل كنزًا ثمينًا، وضعتهما على الطاولة أمامي، ورحت أقرأ، وأعيد القراءة بغبطة أعجز عن وصفها، ولشدّة انفعالى سكبت كأس العصير الذى كان أمامي، فسال محتواه على كلمات درويش الأنيقة المكتوبة بحبر سائل، أصابنى الهلع، وحاولت تجفيف الورقتين ما استطعت، وكلّى غضبٌ على نفسى وعلى خراقتي، ولم أنم تلك الليلة لشدّة ما وبّخت نفسي!
اتّصل بى «درويش» فى اليوم التالى وأحسّ فى صوتى ذلك الأسى الذى لم أستطع إخفاءه، وحين أخبرته عن السبب، أغرق فى الضحك، ودعانى إلى بيته على الفور، فتح لى الباب ببشاشته المعهودة، وابتسامته الأليفة، وهو ينظر إليّ فى حالتى التى تدعو إلى الرثاء، أجلسنى فى الصالون، وقدّم لى كأس عصير، وأخذ الورقتين، وغاب فى مكتبه دقائق معدودات، ليعود وقد أعاد نسخ الصفحتين على ورق مميّز، وقال مازحًا: أبعدهما ما استطعت عن أيّ عصير!، وما زلت أحتفظ باعتزاز بالورقتين فى إطار يزيّن مكتبتي.
ويحكى «طاهر» عن آخر لقاء له بـ«درويش» قائلا: «فى الليلة التى سبقت سفره إلى أمريكا لإجراء العمليّة التى لم يخرج منها إلّا خالدًا، كنت قد استضفته فى بيتى لتناول العشاء مع أسرتي، كما اعتدنا، ولوداعه قبل سفره، وكانت النسخة الأولى من هذا الديوان، قد وصلتنى فى ذلك اليوم، فأخذ يقلّبها بحبّ، وعلّق: لقراءة الشعر مطبوعًا فى كتاب لذّة ليست فى قراءته مخطوطًا على الورق، احتفظ لى بنسختى لحين عودتي، وما زالت نسخته محفوظة لديّ، وما زلت أنتظر عودته!»
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







