«ماما أميمة6» قصة قصيرة للكاتب الدكتور طارق الزيات

 الدكتور طارق الزيات
الدكتور طارق الزيات


 

الحلقة السادسة – أخيرة

 

 

لم أشأ أن أذكر اسم أول قاطني ملاذ ولا صغيرها الجميل، الأسماء في أحيان كثيرة تفرغ المواقف من مضمونها، تهمش القضية ولا تمنحها المساحة التي تستحقها، هي وابنها رمز لقضية كبيرة مؤلمة، رمز لقهر كبير يتراص إلى جوار ممارسات قهرية أخرى، وعلامة من علامات استيطان أمراض التسلط والاستغلال في مجتمع يعاني من نفسه ويخلق المعاناة لنفسه ويضعف نفسه بنفسه.

 

وضعت قاعدةهامة في ملاذ، الإقامة دائماً مؤقتة، لا توجد مدة محددة ولكن الإقامة رهينة بالتعافي وتأهيل كل ضيوف ملاذ لإعالة أنفسهم، متى تحقق هذا الشرط يتعين أن تغادر الضيفة، هذا الشرط ضمن جدية السعي للعمل وكان دافعاً للضيوف أن ينخرطوا في الأعمال التي يوفرها ملاذ، وألا يرتكنوا إلى البقاء فيه  للدرجة التي تعوقه عن تحقيق رسالته وهي استنقاذ كل من تعرضت أو تعرض للقهر وفشل في إيجاد مأوى ووجبة تسمح له بالعيش بكرامة.

لقد تلقيت مساعدات عظيمة من كثيرين، أحب أن أقول لكم أن أكثر من دعموا ملاذ بشكل عملي كانوا من الرجال، رجال يجب أن أتوقف عندهم، أراد لهم الله أن يجمعوا بين الثراء والخلق الرفيع والرؤية المجتمعية الواعية وحب الخير بكل سخاء، لم يكن دعمهم المادي هو أهم ما قدموه، ولكن دعمهم المعنوى، اتصالاتهم القوية مع دوائر حكومية كثيرة، قدرتهم على التأثير وتذليل الصعاب، شئ  يدعو للفخر أن تربطك صلة بهؤلاء الأخيار.

 

إن العمل الأهلي ليس سهلاً، هناك قوانين ولوائح ورقابة صارمة أهمها الرقابة على الحسابات والتبرعات، لذا لم أقبل أية تبرعات حتى لا أثير الشبهة ولا اتسبب في أي مساس برحلتي في هذا العمل المهم لي ولبناتي وأولادي، أحد الشباب الأثرياء الذي لم يتخط الأربعين من العمر اشترى مبنى ملاذ من المالك، ثم وهبني حق الانتفاع طوال حياتي وقد أجرت المبنى لملاذ مقابل أجر رمزي قدره جنيهاً واحداً في العام، لقد اضطررنا لهذا الحل حتى لا نمر بكثير من الإجراءات المتعلقة بالأصول التي تملكها الجمعية الأهلية التي تكونت حتى يمارس ملاذ دوره بشكل سلس.

 

نحن لا نشتري أية مستلزمات للطعام أو ندفع الكهرباء أو الماء من حسابات ملاذ، كل يوم نضع قائمة بالمتطلبات، والفواتير، كل يوم يحضر مندوب أو أكثر ليأخذ قائمة ويشتريها، ويقدمها لمديرة ملاذ التي تشرف على المبنى ومتطلباته، لا نعرف من يمثل المندوب ولا اسمه ولا هويته، لولا هؤلاء الذي يقومون على فعل الخير ليل نهار في هذا البلد، الذين يعولون الملايين من الناس الذين لا يملكون قوت يومهم لتهدمت أركان هذا المجتمع.

راتب مديرة ملاذ ادفعه من مالي الخاص، كل ما ينقص ملاذ أحضره على نفقتي، ملاذ يأوي اليوم خمس وعشرين حالة، كل من يقدر فيهم على المعاونة في ترتيب ملاذ و طهي الطعام ومساعدة غيره من الضيوف يقوم بدوره، بعض من ضيفات الدار يعلمن الأطفال ويشرحن لهم الدروس، البعض الآخر يطهي الطعام، وآخريات يساعدن السيدات الكبيرات في السن.

عند مغادرة إحدى السيدات أو الفتيات ملاذ كي تنتقل إلى سكنها بعدما تأهلت وتحسنت ظروفها، نقيم حفلة بسيطة، نستذكر فيها قدرتنا على تخطي كل الصعاب والانتقال من ضيق اليأس إلى براح الأمل، يجب أن أخبركم أن كل من غادرن ملاذ يعدن مرة أخرى كي يساهمن في مساعدة ملاذ سواء بجلب المستلزمات من القوائم المتروكة للمتبرعين، أو التكفل بجلب بعض الأدوية لمن يعانين من الأمراض، لم تتخلف واحدة عن مساعدة ملاذ على الوفاء بواجباته.

توفير فرص العمل تعمل عليها شبكة كبيرة من النساء اللاتي دعمهن ملاذ وأزواجهن وأبنائهن ، وكثير من فاعلي الخير، وأحب أن أقول إن ملاذ يساعد الجميع بلا تفرقة، وإن بعض الرجال الذين تعرضوا للقهر وضيق الحال هم ضيوف على ملاذ، نعم فبعض الرجال يعانون بشدة ويتعرضن لأهوال لكنهم لا يستطيعون البوح بها ولا الحديث عنها ونعرف عنهم من تدخل بعض الداعمين الذين يطلبون أحياناً استضافتهم لفترة مؤقتة حتى يتم تدبير أمور حياتهم.

اليوم وبعد ثمانية عشر عاماً من رحلتي مع ملاذ، أقف هنا في وسط هذه الدار التي أكرمني الله بها، واستذكر آلاف الحالات التي مرت على ملاذ، بعضهم قضى شهراً أو اثنين، أو أكثر قليلاً، حوالي ثلاثة آلاف استضافة على مدى عمر ملاذ، مئات الأطفال والنساء الصغيرات ينادونني ماما أميمة، كبر الصغار الذين عاشوا معنا في ملاذ مع أمهاتهم ووجدوا في ملاذ الأمن والطمأنينة، أصبحوا رجلاً وفتيات ونساء، هم أيضاً ينادونني ماما أميمة، لازالوا يحضرون إلى ملاذ، لا تمر جمعة إلا وهناك عشر أو أكثر منهم يأتون للسلام مع أمهاتهن، أشعر بكل مشاعر الأمومة ناحيتهم، أحبهم حقاً، أجد معهم أماناً أكبر و أعمق مما وجدوه هم في ملاذ، يقضون معي الوقت اشبع من حنانهم ومحبتهم، ويغادرون على وعد بلقاء، ويمرون على صندوق القوائم كي يتخير كل منهم قائة يتكفل بإحضارها إلى ملاذ.

اليوم أنا أتجهز للخروج، ارتدي ملابس السهرة، لدي مناسبة جميلة، هذا الطفل الباكي المذعور أول من ناداني ماما أميمة، سيتزوج اليوم، صارشاباً وسيما جميلا، تخرج ويعمل ولازال يعيش مع والدته التي لازالت تدرس في المدرسة، يوم حضر واحتضنني وقبلني وهو يقول أن الفرح لن يكتمل إلا بحضور ماما أميمة، عوضني حضنه هذا عن كل المشاعر الجميلة التي حلمت بها في حياتي، ثمانية عشر عاماً من العمل الجاد من أجل مساعدة النساء والأطفال كانت مكافأتها لحظة تساوي عمراً بأكمله وسعادة تستغرق كل سعادة في هذه الحياة.

الليلة أنا أم العريس الجميل، جلست في أول طاولة مع أهل أمه، رأيت والده موجوداً في الحفل، كانت علامة صحية على تعافي الأم والأبن وقدرتها على قبول حضور طليقها للحفل، كانت كريمة  ألا تحرمه من هذه اللحظة، حتى الأب العاق من الممكن أن نسمح له بسويعات يحضر فيها فرح ابنه، رآني من بعيد، لم يبد أي تعبير لا خيراً ولا شراً، الحمد لله الذي مرر هذه الأسرة من ضيق الأزمة بأقل الخسائر وجعلها سبباً في إنقاذ آلاف الأسر.

الليلة سوف أعود إلى شقتي النظيفة الهادئة الباردة التي لا تحمل ذكريات تؤلمني، عدا ذكرى واحدة لا أفتقد أحداثها، ذكرى الصغير الخائف الهلع، لن تبكيني هذه الذكرى بسبب غياب أصحابها لأنهم في وضع أحسن و أجمل ، سوف أخلد إلى النوم، أخاف دائماً وفي الليل أخاف أكثر، لكن ما يسري عني أن هناك من يهتم لأمري، لا أعرف عددهم ولا أعرف أسمائهم أحياناً، الأسماء لا تهم، المهم هو ما بين القلوب والنفوس، المهم أنهم موجودون.

تمت