الإنفاق العسكرى الدولى إلى ارتفاع قياسى بفعل النزاعات الجارية

الإنفاق العسكرى الدولى
الإنفاق العسكرى الدولى


محمد منصور 

كما كان متوقعًا وعلى نفس المسار الذى سارت عليه معظم الدول العالمية خلال الأعوام الماضية، ارتفع الإنفاق العسكرى الدولى بشكل قياسى خلال العام المنصرم، وذلك حسب التقديرات التى أعلنها فى أبريل الماضى، معهد استوكهولم الدولى لأبحاث السلام «سيبرى»، وهو واقع تكرس بسبب استمرار القتال الجارى منذ أكثر من عامين على الأراضى الأوكرانية، وكذلك اشتعال أزمات أخرى بمناطق متعددة من العالم، خاصة منطقة الشرق الأوسط، التى تشهد عدة مناطق بها، عمليات قتالية مستمرة، على رأسها العدوان الإسرائيلى المستمر منذ أكتوبر الماضى على قطاع غزة، والتفاعلات الميدانية المصاحبة لها فى الاتجاه اللبنانى ومنطقة البحر الأحمر..

ولعل الملاحظة الرئيسية فى الأرقام المعلنة حول الإنفاق العسكرى الدولى، ترتبط بحقيقة أن النِسب الخاصة بهذا الإنفاق العام الماضى، قد تزايدت لمستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت نسبة الإنفاق العسكرى من الناتج المحلى الإجمالى العالمى إلى 2.3٪، وارتفع معدل الإنفاق العسكرى من الإنفاق الحكومى بنسبة 6.9٪، ليصل إجمالى الإنفاق العسكرى العالمى العام الماضى إلى حدود 2443 مليار دولار، وهو الارتفاع الأعلى على أساس سنوى منذ عام 2009، وكانت نسبة الفرد الواحد من هذا الأنفاق الأعلى منذ عام 1990، وبلغت 306 دولارات.

اقرأأ يضا|  القوات الروسية تحرر بلدة تيموفييفكا في جمهورية دونيتسك الشعبية

بطبيعة الحال تسببت الحرب فى أوكرانيا فى الوصول لهذه النتيجة على المستوى الدولى، لعدة أسباب، أهمها مسارعة الدول الأوروبية لزيادة مستوى وحجم دعمها العسكرى المقدم لكييف، وهو ما يقتضى زيادة المخصصات المالية لعمليات التصنيع العسكرى، لمواكبة الاحتياجات الأوكرانية المستمرة من الذخائر المتنوعة، ويُضاف إلى ذلك، حرص دول حلف الناتو على الوصول بميزانياتها العسكرية إلى حدود 2٪ من موازناتها العامة، للإيفاء بالمتطلبات التى وضعها الحلف، بجانب دخول بعض دول الحلف، مثل دول البلطيق وألمانيا وبولندا، فى خِضم عمليات تحديث وتطوير منظوماتها القتالية، لمواكبة التغيرات الحادثة حاليا فى مسرح شرق أوروبا..

لكن اللافت فى هذا الصدد، أن الأزمة الأوكرانية لم تكن المحفز الأساسى الوحيد لهذه الزيادة فى الإنفاق العسكرى العالمى، فالتوترات المتصاعدة فى محيط تايوان وبحر الصين الجنوبى، بدا أن تأثيرها كان مباشرًا فى هذا الصدد، لذا كان منطقيًا أن تتصدر واشنطن وبكين، قائمة الإنفاق العسكرى العالمى خلال العام الماضى، فقد بلغ الإنفاق العسكرى الأمريكى العام الماضى نحو 916 مليار دولار، بزيادة قدرها 2.3٪، فى حين بلغ إنفاق بكين العسكرى نحو 296 مليار دولار، بزيادة قدرها 6٪، وهى المرة التاسعة والعشرون على التوالى، التى يتم فيها زيادة الإنفاق العسكرى السنوى للصين.. وقد شَكَّل هذا الإنفاق ما يوازى نصف الإنفاق العسكرى للدول الآسيوية مجتمعة، وهو ما توافق مع توجهات مماثلة من جانب مجموعة من الدول القريبة من الصين، على رأسها اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتايوان، لزيادة إنفاقها العسكرى، وتوسيع قاعدة تطوير الأسلحة والمنظومات القتالية، خاصة المنظومات الصاروخية والمُسيَّرة، علمًا بأن الهند تبقى من أهم الدول فى هذا النطاق، واحتلت المركز الرابع فى قائمة الإنفاق العسكرى العالمى، بنحو 83.6 مليار دولار، بزيادة تقارب 4٪ عن إنفاقها العسكرى عام 2022.

بالعودة إلى الملف الأوكرانى، كان هناك انعكاس مباشر لهذا الملف على الإنفاق العسكرى لحلف الناتو، الذى ينفق ما يوازى 55٪ من إجمالى الإنفاق العالمى على التسلح، كما كان له انعكاس على الطرفين الأساسيين فى هذا الملف فرفعت روسيا انفاقها العسكرى إلى حدود 109 مليارات دولار، بزيادة تقدر بـ 24٪، لتصل نسبة هذا الإنفاق من إجمالى النفقات الحكومية الروسية إلى 16٪، أما أوكرانيا، فقد رفعت إنفاقها العسكرى بنسبة 51٪، مقارنة بنفقاتها العسكرية عام 2022، ليصل إلى حدود 64.8 مليار دولار، أى ما يوازى 58٪ من إجمالى نفقاتها الحكومية، وهنا تظهر أهمية المساعدات العسكرية الأمريكية والأوروبية لكييف، فعلى الرغم من أن النسبة الفعلية للإنفاق العسكرى الأوكرانى مقارنة بالإنفاق العسكرى الروسى تبلع ما يناهز 59٪، إلا أن المساعدات التى تلقتها كييف خلال العام الماضى من حلف الناتو وواشنطن، رفعت هذه النسبة لتناهز 90٪..

لم يختلف الوضع فى منطقة الشرق الأوسط كثيرًا فى هذا الصدد، حيث ارتفع إجمالًا بنحو 9٪، ليصل إلى حدود 200 مليار دولار، وهو الارتفاع الأكبر على الإطلاق خلال العقد الماضى، وتصدرت المملكة العربية السعودية قائمة دول المنطقة فى حجم الإنفاق العسكرى، تلتها إسرائيل، التى رفعت من إنفاقها بنسبة تناهز 24٪، ليصل إلى 27.5 مليار دولار، وهو موقف تسببت به بشكل مباشر العمليات العسكرية الإسرائيلية التى بدأت أكتوبر الماضى فى قطاع غزة، وهنا لابد من الإشارة إلى أن الصادرات العسكرية الإسرائيلية، قد ارتفعت خلال العام الماضى، بنسبة قياسية، حيث بلغت نحو13.1 مليار دولار، وهو الارتفاع الأكبر فى صادرات إسرائيل العسكرية على الإطلاق، بزيادة قدرها مليار دولار عن عام 2022.

كانت إيران رابع دولة على مستوى الشرق الأوسط فى حجم الإنفاق العسكرى، حيث بلغت نفقاتها فى هذا الصدد عام 2023، نحو 10.3 مليار دولار، وهو مستوى يتوقع أن يشهد العام الجاى تصاعدًا أكبر، فى ظل حالة التصعيد المستمرة بين طهران وتل أبيب، وهى حالة - مضاف إليها الوضع القائم حاليًا فى شرق أوروبا وفى مناطق عدة بالشرق الأوسط - تبدو محفزة بشكل أكبر لزيادة حجم الإنفاق العسكرى العالمى خلال المدى المنظور، ودخول بعض المناطق - مثل دول جنوب شرق آسيا وبحر الصين الجنوبى - فى خضم سباق للتسلح، يركز بشكل كبير على امتلاك القدرات الصاروخية الباليستية والجوالة، والوسائط الجوية المأهولة والمُسيَّرة المتطورة، وهما اتجاهان يُتوقع أن تركز عليهما معظم الدول الكبرى على المستوى العسكرى خلال المدى المنظور، فى ظل تراجع أفق انتهاء النزاعات القائمة حاليًا على المستوى الدولى، ناهيك عن عودة استخدام بعض الدول «للخطاب النووى»، بعد عقود من تراجع هذا الخطاب.