متى كان آخر لقاء لكما؟
سؤال تردد صداه في أنحاء تلك الغرفة المظلمة إلا من شعاع ضوء خافت فرَّ من ثقبٍ، تتلصص الجرزان على تعيسي الحظ من الخاطئين، والفارغة من كل شيء عدا سائله وكرسي تجمدت عليه مسئولته، شاحبة الوجه، مُزرّقة العروق، جاحظة العينين خاويتين معلقتين بالعدم ولا يكاد يرتد إليها طرفها، كلّ إنش من جسدها إما مجروحٌ دامٍ، أو قريحٌ يوشك على العفن ومع ذلك لا تكاد تلحظ بها حركة؛ ساكنة لدرجة تخالها بها ميتة.
دار خلفها مائلاّ على كرسيها وكرر هامساً بأذنها سؤاله: متى كانت آخر مرة جمعك مكان بالقتيل؟
لم يرها تحرك شفتيها ولو تمتمةً رغم إجابتها إياه عدة مرات في عقلها: كان ذلك قبل قتله إياي بدم بارد بساعات، قبل أن يقتلع قلبي من جوفي، قبل أن يفقأ مقلتي بأصابع غدره، قبل أن يجعل منى وجبةً دسمة للموت. قرّبني منه سيدي المحقق وأغرقني بكلامه المعسول: ذاك الذي أذهب به عقلي منذ عرفته، أخبرني اني كنت نجاته من جحيم وحدته، وأن الجنة لا شكّ في عيني، وأن نظرة إلىّ تمحو عنه كرب الدنيا بما فيها، وأنني يقينه بوجوب الحب على كل قلب، وإيمانه بأن الخير يتهيأ في شاكلة البشر. كله كلامٌ لا جدوى منه قاله فقط ليسكرني عما سيفعله بي.
ماذا تريد سيدى المحقق؟.. أن أقص عليك كيفية اقتحامي بيته على حين غفلة منه؟! لا لم أفعل: كنت حينها جثة ملقاة على جانب طريق نادراً ما يمر به بشر، حتى الذباب عافني متقرفاً من جثماني أو ما بقى منه. أتود أن أحكى كيف قيدته رأساً على عقب وانتهكت حرمانية جسده بأبشع العذاب بالركل مراتٍ وبالسوط أخرى؟ وكيف جردت يديه من أصابعهما واحدا تلو الآخر؟ كيف هشمت رأسه بذات مضربه الذي هشم به وجهي الذي أسره؟ كم تمنيت لو كنت الفاعلة؛ لكنت شفيت غليلي برشف قتراتٍ من دمه أو أقلها بسماع صرخات ألمه وتسجيلها لأتلذذ بها من حين لآخر، لكن لم تتثن لي الفرصة إذ عثر أحدهم على جثماني عديم الملامح ذاك وأبلغ الشرطة.
أتاني رجالك سيدي خائفين من بشاعة منظري، وأقسم لك أني رأيت أحدهم يتقيأ في جانبٍ ما وآخر بكاني تعاطفاً لما قاسيته وكثيرٌ كنت بطل كوابيسهم لأيام، مساكينٌ هم رجالك.
اقرأأ يضا| «أشقاه.. حسن حظه!».. قصة قصيرة للكاتب علاء عبدالعظيم
سئم من صمتها وحاول كظم غيظه لكن العنف تملك منه وصرخ بها : إن لم تتحدثي فأقسم أن أغلق القضية ضدك وسأحرص على إعدامك بنفسي.
لم تعره انتباهاً وتابعت في عقلها: ولن أخبرك كيف انتزعت عنه جلده حياً دون مخدر ليكون كالخنزير المسلوخ؛ لأنى لم أحظ بذلك الشرف، آه لو رأيته سيدي: مقذذٌ من الداخل يملأه العفن..
عفن الغدر والكراهية. ولن أطلعك عن الطريقة التي أخويت بها جسده من أحشائه ووضعتها طعاماً لكلابه؛ فلم أكن حاضرة إياها، كان جسدي هو الآخر يفرّغ من ما بقى أحشائه في إحدى المشارح التي لا أذكر اسمها.
أتود أن تعرف كيف انتزعت قلبه بيدي العاريتين وثبته بمسامير على شجرة الكستناء في فنائه، تلك التي حفر عليها قلباً مثّل حبه المريض لي؟ للأسف لم أكن أنا؛ كنت حينها موضوعة في قبر محاطة بمن أتوا ليأخذوا عبرة الموت مني وقلبي لم يكن بحوزتي فقد التهمه ذلك المختل لأكون دائماً داخله.
بلغ ضيقه منها حده وهمّ بصفعها لتدلي بالحقيقة فلم يجدها؛ كان شبحها الذي طارده منذ رآها تمثل له في محاولة يائسة للبوح بالحقيقة.

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







