فتحى إسماعيل
فى آخر مرة حاولت أن أموت فيها؛ توقف النعش على أبواب المقابر فجأة، فقد كان والدى يتقدّم مظاهرة من موتى عائلتنا تحول بين النعش والمقابر قائلاً: إنه صغير وما زالت أحلامه محلّقة، من سيحققها؟
تراجع النعش ودفع حامليه للتراجع مما تسبب فى ارتباك وهرج ارتفعت معه الأتربة، وما كاد النعش يستدير عائدًا نحو البيوت حتى اعترضته مظاهرة أخرى يقودها أخى يتبعه أفراد عائلتنا الأحياء ترفض عودتي، كان أخى يقف ثائرًا وبيده دفاتر وأوراق.
حضر العمدة ومأمور المركز وقيادات الأمن فى محاولة لفض إحدى المظاهرتين، دون فائدة، اقترب من النعش أحد المعممين وهو يهمس لي: «مت يا بني، الموت عليك حق».
ليتنى كنت أستطيع الكلام لكنت لعنته، أو الحركة لصفعته، الغبى ألا يرى أن الأمر ليس بيدى وأننى ميت بالفعل، الحقيقة أنا نفسى كنت فى شدة الحرج والرغبة فى حل ونهاية لتلك المهزلة، ولم يكن بيدى غير الصمت والانتظار.
اقرأ أيضا| سر غضب فاروق على رئيس الديوان الملكي
مع اقتراب المغيب بدأت وفود السائرين خلف جنازتى تقل تدريجيًا، تسرّب بدايةً واحد خفية ثم اثنان، ومع سقوط الشمس خلف الجبل الذى يحيط بالمقابر لم يتبقّ غير بعض المخلصين من حاملى النعش، وبعض الذين يتبعون أخي، وعسكرى أمن مركزى اتكأ بكتفه على حائط لبنى متصدّع، بينما مظاهرة الموتى لم يتغير فيها شيء بل أظنها قد ازدادت عددًا وتماسكًا، بدأت أشعر بالبرد. الوحدة والصمت أصابانى بغضب دفعنى أن أستجمع قواى وأفض الغطاء الذى يحيط بالنعش، نهضت نازعًا قماش الكفن عن وجهي، أصابت الرجفة بعض المحيطين فتدافعوا، نظرت نحو أبى بأسف، وتسللت من وراء العسكرى مغادرًا المقابر.
مضت أزمنة وأنا أتجوّل بكفنى القديم، أحصى الموتى العابرين إلى قبورهم وأبحث عن رفيق يساعدنى فى خطة العبور دون خوف إلى موت آمن.
الديوان| يس النحايفة يكتب: سيما أونطة
الديوان| محمد جابر يكتب: حافلة الثانية ظهراً
الديوان| كاتبة إماراتية أسماء الزرعوني تكتب: قتلت ذبابة







