دنياه الصغيرة لا يعلم مدى اتساعها أحد، خاطره يرى ما لا تراه العيون ولا يدركه بشر، يضع رأسه بين ساعديه باحثا عن الحياة.
تتعلق عينا "سعيد" طوال الوقت، بهذا المسجد القديم المطل على المدينة من حافة الجبل بشموخ منذ زمن طويل، معلنا أنه مبتدأ عالم الأموات، والمسكن الأبدي لكل الناس.
الناس كلها تتجنب النظر تجاهه، المرور بجواره، تكرهه في صمت_ إلا "سعيد"_.
هو ابن هذا العالم؛ وطنه الذي يحن إليه في كل حين.
منذ أن خرج من خلف هذا المسجد البعيد_ حيث يسكن مع جدته أم أبيه وأمه وأخته الصغرى "سعدية"_ وأصبح يبيت في هذه الورشة التي يعمل فيها عندما بلغ الثانية عشرة من عمره، يسهر على الطريق السريع لشارع "صلاح سالم"، يعمل مساعدا في إصلاح إطارات السيارات وصيانتها.
تبدلت حياته لما بعدت المسافة بينه وبين هذا الحوش الذي يتوسطه شاهدان للقبر، كان يبيت بجوارهما هو وأمه و"سعدية" ويروحون في رحلات جميلة لا نهائية ... نساء يرتدين الحرير والديباج أجسادهن من مرمر، أطفال بملابس زاهية نظيفة تلعب في سعادة ومرح، على روابيّ خضراء وأزهار ملونة وأنهار من لبن وعسل يلعبون وينهلون في سعادة غامرة، وكان إذا غاب أحد من أصحابه في الحياة، وجده كلما أخلد للنوم.
لولا حاجتهم للمال ولأجرته التي يتكسبها من هذا العمل الشاق والمبيت في الشارع؛ تمر عليه أمه كل يوم تقبض على ما اكتسبه من جنيهات يسيرة وتمضي، غريب هو عن وطنه الذي لا تتجاوز المسافة بينهما إلا بعض الحارات من المقابر وكيلو متر واحد.
تجاوز الآن العشرين سنة من عمره، لا يربطه بهذا الشارع ولا هذه الورشة إلا جنيهات تقبضها أمه و"دوسه"؛ نعم_ دوسه _ تلك الفتاة التي تقاربه في عمره تسرح بالمناديل الورقية في الشارع وأمام المقابر، لا يعلم من أين تأتي ولا إلى أي مكان تروح؛ غير أنها كانت كثيرة الجلوس إلى جوار هذه العجوز التي تفترش ناصية شارع المقابر بالخوص والزهور_.
كان إذا رآها يمسح بشعره يصففه براحتيه، يحاول أن يزيل التراب والشحوم العالقة بملابسه، كان يتصور أن هذا يفلح في تحسين مظهره.
تبادله "دوسه" النظرات في حياء، تبتسم فيبدو ثغرها الوردي وتنمو على وجنتيها المعفرة الوردات، تتهادى بعودها الشاحب أمام عينيه وتطأ بخطواتها فؤاده الذي لا يعرف سر خفقانه.
لكن الأسطى "متولي" يعرف السر، فيناغشه قائلا:
_(الجو العليل والحتة الطرية وصلت يا "سعيد"؛ ها ها ها، بتعرف تحب وتختار ياض ها ها ها)
يبتسم في خجل ويقر في صمت ما ردده الأسطى "متولي"، هي حقا النسمة التي إذا مرت عطرت المكان وهونت عليه مُرَّ معيشته وحَرَّ حياته وأنسته بدنه الملتهب من عناء العمل الشاق، كانت
"دوسه" في عينيه أجمل الكائنات، أميرة هاربة من قصر مرصود، أو حورية تتنزه حول الجنة.
وذات ظهيرة قائظة، وفسحة من العمل، لملم "سعيد" رباطة جأشه لما رأى "دوسه" تجلس جوار بائعة الخوص، اشترى لها قطعة بسكوت مغلفة وزجاجة عصير، دنا منها بخطوات خجلة وابتسامة مترددة، وضعهما في حجرها ثم افترش الأرض جوارها وهي تعبث بأناملها في خصلات شعرها خجلة، العجوز ترقبهما في تطفل ... لحظات صمت مرت عليهما ولكنها كانت محلقة في سماوات تحمل كل المعاني الطاهرة، قطعتها العجوز بكلمات أرضية تعرفها:
_(اشربي يا ختي وكلي، النبي قبل الهدية).
كانت هذه اللحظة فارقة في حياة "سعيد" وبالغة التأثير، لكن الفتاة "دوسه" من حينها غابت، وكان كلما اشتاق إليها استرجع تلك اللحظة القصيرة وعاش في ذكراها وكأنها كل حياته، كل ما عاشه؛ وغااابت...
ولما استبد به الشوق إليها، ذهب للعجوز يسألها لعلها تخبره بعنوان مسكنها، أو لعلها تروي ظمأه بخبر عنها أو موعد لعودتها من جديد؛ لكنها أومأت برأسها في غير اكتراث وأتبعت:
_(زي ما جت ما نعرفش منين؛ راحت منعرفش لفين!).
وقعت كلماتها على روع "سعيد" كصاعقة أودت بالقادم من أيامه، فقد كانت الجميلة بائعة المناديل هي الأمل، هي الدافع للاستمرار على قيد الحياة.
هام على وجهه بضعة أيام بلياليها، بحثت أم "سعيد" عنه في كل مكان بلا جدوى؛ إلى أن دخل عليها الحوش ذات ليلة، جال بناظريه عن شقيقته "سعدية"، عن شاهدين القبر، رقد جوارهما، وضع رأسه بين ساعديه طلبا للنوم ورحلة للبحث عن "دوسه" بين الأحياء.

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







