بالشمع الأحمر

صرخات ممنوعة!

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


لم يُعاصر أبناء جيلى حركات الاستقلال، لكنّنا عشنا أجواءها سينمائيًا، وردّدنا بحماس شعار: «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، مثلما سمعناه فى الأفلام دون أن نفهم معناه.. الآن، اشتعل شعْر الشعار شيْبًا، حتى انتهتْ صلاحية استخدامه، مع جيلٍ اتخذ من مواقع التواصل وطنًا عابرًا للحدود، يُمارس فيه نشاطاته، ويتداول أفكاره الكُبرى.. وتفاهاته!


وسط هذا المناخ توهّم البعض أنهم نالوا استقلالهم وباتوا بلا قيود، وبالفعل، ظلّ العالم الإلكترونى لفترة ملاذًا للباحثين عن مُتنفسٍ، إلى أن رأى أباطرته أن الحرية منحة وليست حقًا أصيلاً، فبدأوا وضْع ضوابط ثقيلة لفرْض سيطرتهم، اعتمادًا على مبدأ «من حكم فى ماله ما ظلم»، وعلى المُتضرّر اللجوء إلى الفضاء.. الواقعى.


 مع أحداث غزة، أصبحت المجازر أمرًا واقعًا، وانضمتْ مجزرة المواصى الأخيرة إلى سابقاتها، نتابع أخبارها وندينها على مواقع التواصل بحياءٍ خشية الحجْب، بعد أن فرض «الأخ الأكبر» رقابة صارمة على مشاعرنا، وكمّم أفواهنا ليسلبنا حتى الحق فى الصراخ! زادت القيود تدريجيًا، وتراجعتْ شعارات حُرية التعبير، وتمادتْ الرقابة لتمنع منشوراتٍ وصورًا وفيديوهات، وتُرسل تحذيراتٍ تُنذر أصحاب الرأى بالطرْد من الجنة، وأخيرًا قرّرت شركة «ميتا» حذْف أى منشور يتضمّن مُصطلح «الصهيونية» ومشتقاته، رغم أن الكلمة ليستْ سُبّة اخترعتها عقول العرب مع غيرها من الشتائم، بل هى ابتكار يهودى تم ترسيخه منذ نحو قرْنٍ ونصف القرن، لترويج حركة تحرّرٍ مزعومة تدعم شعبًا مُضطهدًا!! لم تتحمّل الشركة ربْط المصطلح بمجازر الاحتلال فى فلسطين، واعتبرتْه مُتصلاً بـ «هجمات الكراهية»، مع أنه يدعم الفصل بين اليهودية كديانة، ودموية من يعتنقونها.
إنها الرقابة فى أسوأ صورها، تسلب من المظلوم الحق فى الشكوى، فهل ينتفض الفضاء الأزرق ذات يوم طلبًا للاستقلال التام، ويُطلق شعار: «عاش فيس بوك حرًا مُستقلاً»؟!