في مشهد سياسي فرنسي متقلب، حيث تتصارع الأيديولوجيات وتتبدل التحالفات، برز مؤخراً عنصر جديد يلفت الأنظار ويثير الجدل، وهو السترات الخضراء، إذ انه بعد سنوات قليلة من احتجاجات "السترات الصفراء" التي هزت أركان الحكومة الفرنسية، ها هي السترات الخضراء تفرض نفسها كرمز سياسي جديد، محملة بدلالات بيئية وإصلاحية.
هذا التحول اللوني في المشهد السياسي الفرنسي ليس مجرد تغيير في الموضة، بل يعكس تحولاً عميقاً في الوعي العام وفي أولويات الناخب الفرنسي.
اقرأ أيضًا: احتجاجاً على معاشات التقاعد والتضخم.. «السترات الصفراء» تعود لباريس السبت القادم
صعود «السترات الخضراء»
وفقاً لما ذكرته صحيفة لوموند الفرنسية، فإن ظهور "السترات الخضراء" في المشهد السياسي الفرنسي لم يكن وليد الصدفة، إذ ارتبط هذا الظهور بصعود نجم مارين توندولييه، زعيمة حزب الخضر الفرنسي، التي اختارت ارتداء سترة خضراء فاتحة اللون في معظم ظهوراتها الإعلامية والسياسية.
وأشارت لوموند إلى أن هذا الاختيار اللوني لم يكن مجرد قرار شخصي، بل كان استراتيجية سياسية مدروسة، فاللون الأخضر الفاتح، حسب توندولييه، يعبر عن روح التجديد والأمل، في مقابل اللون الأخضر الغامق التقليدي للحزب والذي وصفته بأنه "حزين".
تأثير «السترات الخضراء» على الناخبين
لفتت لوموند الانتباه إلى التأثير الكبير الذي أحدثته "السترات الخضراء" على الناخبين الفرنسيين، إذ أصبحت هذه السترة رمزاً للوعي البيئي المتزايد في المجتمع الفرنسي، وعنواناً لتيار سياسي يدعو إلى التغيير الجذري في السياسات البيئية والاقتصادية.
ونقلت الصحيفة عن محللين سياسيين قولهم إن "السترات الخضراء" نجحت في استقطاب شريحة واسعة من الناخبين، خاصة من فئة الشباب والمهتمين بقضايا البيئة والتنمية المستدامة.
وقد انعكس هذا التأثير بشكل واضح في نتائج الانتخابات الأخيرة، حيث حقق حزب الخضر وحلفاؤه نتائج غير مسبوقة.
المقارنة مع حركة "السترات الصفراء"
تناولت صحيفة لوموند في تقريرها المقارنة الحتمية بين حركة "السترات الخضراء" الجديدة وحركة "السترات الصفراء" التي هزت فرنسا قبل سنوات.
وأوضحت الصحيفة أن هناك اختلافات جوهرية بين الحركتين تستحق التأمل، فمن حيث الطابع التنظيمي، شكلت "السترات الصفراء" حركة احتجاجية عفوية وغير منظمة، نشأت من رحم الغضب الشعبي وتطورت بشكل ارتجالي.
في المقابل، تمثل "السترات الخضراء" تياراً سياسياً منظماً له قيادة وبرنامج واضح، يعمل ضمن الأطر السياسية التقليدية.
وفيما يتعلق بالأهداف، لفتت لوموند الانتباه إلى أن "السترات الصفراء" ركزت بشكل أساسي على قضايا اقتصادية واجتماعية محددة، كارتفاع أسعار الوقود وتدني مستويات المعيشة.
أما "السترات الخضراء" فتتبنى أجندة أوسع وأكثر شمولية، تمتد لتشمل القضايا البيئية والاجتماعية والاقتصادية في إطار رؤية متكاملة للتنمية المستدامة، وهذا الاختلاف في الأهداف انعكس بدوره على أسلوب العمل، حيث اعتمدت "السترات الصفراء" بشكل رئيسي على الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات كوسيلة للضغط على الحكومة.
في حين تعمل "السترات الخضراء" من خلال القنوات السياسية التقليدية والحملات الانتخابية، ساعية إلى إحداث التغيير من داخل المؤسسات السياسية.
تحديات أمام «السترات الخضراء»
رغم النجاح الملحوظ الذي حققته "السترات الخضراء" في الانتخابات الأخيرة، إلا أن لوموند أشارت في تقريرها إلى وجود تحديات كبيرة تنتظر هذا التيار السياسي الجديد.
فالتحدي الأكبر، كما تراه الصحيفة، يكمن في قدرة هذا التيار على الحفاظ على الزخم الشعبي الذي اكتسبه، إذ أن تحويل الدعم الانتخابي إلى سياسات فعلية على أرض الواقع يتطلب جهداً مستمراً وقدرة على المناورة السياسية، خاصة في ظل المقاومة المتوقعة من القوى التقليدية.
وأضافت لوموند أن بناء التحالفات يشكل تحدياً آخر لا يقل أهمية، فالتيار الأخضر، رغم صعوده، لا يزال بحاجة إلى بناء تحالفات قوية مع القوى السياسية الأخرى لضمان تمرير أجندته في البرلمان، ما قد يتطلب تقديم بعض التنازلات أو تعديل بعض المواقف، مما قد يثير حفيظة القاعدة الشعبية التي انجذبت أساساً إلى الخطاب الراديكالي للحركة.
وفي الختام، لفتت الصحيفة الانتباه إلى التحدي المتمثل في مواجهة المعارضة الشرسة المتوقعة من القوى التقليدية والصناعات الكبرى المتضررة من الأجندة البيئية، فتنفيذ السياسات البيئية الطموحة قد يصطدم بمصالح اقتصادية راسخة، مما يتطلب من قادة "السترات الخضراء" مهارة سياسية عالية للموازنة بين متطلبات التغيير البيئي والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»
الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران







