لم يختلف مصيرُ المخطوط العربى كثيرًا عن مصير الإنسان العربى، فكلاهما سواء بسواء
تنبعج الغمامة وتزداد قتامة وتضافرًا دونما أملٍ فى انبلاجٍ قريب؛ يُعافر شعاع آبق للشمس لاختراقها ومعانقة أرض السلام، فتتلقاه سجف الظلام المكتنز فلا يجد نفاذًا من إسارها الخانق، فيرتدّ خائبًا مُنهك القوى شاكيًا إلى أمه الشمس جناية شذاذ الآفاق ومرتزقة الدول من تخريب وتجريف للأرض والعِرض بادعاءات مزوّرة وتاريخ ملفق..
اعتدتُ على التركيز فى تصريحات قادة الصهاينة وقراءة تعبيرات وجوههم المكفهرة عند تبرير جرائمهم المكرورة، وقد لاحظت أنهم يُكثرون من كلمة «المبدأ»، فيقولون: «من حيث المبدأ»، و»المبادئ اليهودية»، و»مبدأ إسرائيل»، وغيرها من اشتقاقات الكلمة التى تخرج من أفواههم بطريقة باردة، مُعلبة، وكأنهم بهلوانات فى سيرك كبير دون متفرجين!
لا يكتفى «الكيان» الصهيونى بسرقة المستقبل بقتل أبنائنا، ولا تغيير الحاضر بإحراق الأرض وتخريبها؛ وإنما يعمد إلى تاريخنا فينقله «نصًّا» إلى نفسه تزويرًا وتلفيقًا دونما حياء، وكأنه بهذا سيبنى أمجادًا كرتونية إلى تاريخه الصفرى الخالى من كل شرف، وهو ما يجب أن ننتبه إليه ونقاومه بمزيد من اليقظة العاقلة؛ إذ يسهم التراث العربى بصورة كبيرة فى مناحى حياتنا الحاضرة، ويعمل فى الوقت نفسه على تشكيل مُستقبلنا المنظور.. هذه حقيقة يُدركها كل مَن يدرس- ولو قدرًا ضئيلا- من تشابكات التراث وتأثيره فى الواقع المعُاصر؛ إذ لم يعد التراثُ مجرد ماضٍ ولى وأدبر، وإنما هو باقٍ فى تلافيف عقولنا، مُنسربٌ فى سلوكيات الجماعات العربية من المُحيط إلى الخليج. وقد كان هذا المفهوم حاضرًا بقوة فى الوعى الجمعى العربى إبَّان نشأة معهد المخطوطات العربية، وقد تمثل ذلك فى التقرير الذى قدَّمه عبد الرزاق السنهورى باشا إلى مجلس جامعة الدول العربية، وجاء فيه: «تعتمد الثقافة العربية على عنصرين أساسيين، هما: التراث والثقافة العربية الحديثة، ومن المزج بين العنصرين ستخرجُ ثقافة عربية متينة، غير أنه من دواعى الأسف أن يكون الوصول إلى الثقافة العربية القديمة أمرًا شاقًّا، وما طُبع من الإنتاج الفكرى العربى هو أقله، وذلك القليل لم يُطبع طبعًا صحيحًا». وقد سارعت جامعة الدول العربية، بعد هذا التقرير، فى العام التالى لنشأتها إلى إصدار قرارٍ بإنشاء معهد إحياء المخطوطات، الذى تغيَّر اسمه لاحقًا إلى معهد المخطوطات العربية، وكان ذلك فى 4 إبريل عام 1946م.
لم يختلف مصيرُ المخطوط العربى كثيرًا عن مصير الإنسان العربي، فكلاهما سواء بسواء، قُتل المخطوط غرقًا وحرقا كما الإنسان، ونُهب كما نُهب وتهجَّر كما تهجَّر، ولا يزال يُشاركه المصير نفسه، يرنو إلى بارقة أمل ولحظة انعتاق؛ فكما يتغرب الإنسان تتغرب المخطوطات وتسيح فى أرض الأغراب، وتنتثر هويتها المكانية العربية بعدما تغيرت الخريطة المعرفية لتراثنا. فى خضم ما عُرف بالربيع العربى أصدر معهد المخطوطات كتابا مهمًّا، هو: (التراث فى أتون الحروب)، إذ أدرك أن الحروب الداخلية لا تقل خطورة على التراث من الحروب الخارجية؛ وفى القدس تحديدًا أدرك المعهد أنه يتعامل مع احتلال من الناحية القانونية، لأنه يحتل الأرض ولن يسمح له بإخراج المخطوطات، وكان المعروف منذ النكبة أن فلسطين تضم ما يقرب من خمسين ألف مخطوط، قام المعهد بتصوير أجزاء كبيرة منها، ولكن هناك أجزاءً أخرى اندثرت فى الحروب أو آلت إلى المكتبات الإسرائيلية التى سطت عليها مع الوثائق العربية الأخرى وضمتها إلى الجامعة العبرية، ثم حظرت اطلاع الآخرين عليها.
ولأن التراث سلاح ذو حدين، فإن الاحتلال الصهيونى يهتم كثيرًا بفضائل البلدان، خاصة مدينة القدس، وبعض هذه الكتب تم حشوها بالكثير من الإسرائيليات؛ كما يحاولون جاهدين البحث عن إثبات لحقوقهم المسلوبة كما يدَّعون؛ ولذلك هم ينتظرون إشارة واحدة فى هذه المخطوطات ليستخدموها سياسيا، وهو ما يستدعى تحركا أكثر قوة وحيوية من معهد المخطوطات لمقاومة هذه الهجمات الصهيونية على التراث العربي.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







