إثر شفائى من مرض عضال، صرت أرى بعينى الحزن والفرح. الحزن عفى يمرق دخانا أسود، رائحته كطعام فاسد أو قمامة مختمرة. حين يهبط بعض السكان، يصحبهم ناشبا مخالبه فى قلوبهم، ثم يعود ملتصقا بهم فيتسلى بهمومهم فى الصالات والغرف والحمامات.
صارت تتكشف لى بالتبعية أسباب اختياره للأماكن: صدمات، فشل، فاقه، فقد. تلك فرصه الرائعة. يدرك بحكم تكوينه أننى أتابعه، فيحرك لسانه يمينا ويسارا ليسخر منى، فأوبخه:
كيف تسول لك نفسك أن تتقوت بالألم؟
يزمجر كالرعد، ويحاول اقتحام عينى فأغمض وأبتعد.
أما الفرح فإنه رقيق كالنسيم، معطر بزهر القرنفل، لكن أسبابه تحجب عنى. يغيب طويلا فى نزهات بعيدة، ويتلكأ فى العودة فأشير اليه مستحثا. منذ أسبوعين احتل الدخان الأسود المحمل برائحة الطعام الفاسد والقمامة المختمرة منطقتنا بالكامل، يخرج ألسنته من منافذ العمارات والمحلات والمقاهى ودور السينما، كدت أختنق ولم أصادف شخصا يعانى مثلى.
فى عيادة الطبيب بكيت واعترفت له بما يدور:
أسبوعان يا سيدى، أتنفس السخام، ولا أثر للنسيم برائحة القرنفل
جرب منطقة أخرى، وأحذرك أن تذكر ذلك للعامة
غصت فى قاع المدينة أبحث عن ذلك الرقيق المتكبر،لاشئ غير الروائح الكريهة تنشب مخالبها فى قلوب الناس.
فى مدخل عمارة قديمة جلست أستريح، أفرغت معدتى بعنف، رفعت بصرى نحو نافذة عالية مغلقة، لمحت النسيم الهادئ المعطر ينسل بخيلاء، أنيقا معطرا، ورغم بعد النافذة اخترقت رائحة القرنفل أنفى وأعادت توازنى.
أردت معاتبته فأشاح بوجهه.
رفعت بصرى، النوافذ كلها مغلقة وكذلك الشرفات.
لا بد من رؤية سكانها، إنهم كنز.
سأصعد على قدمى مسترشدا بالرائحة.
أمام الشقة وقفت مبهورا، مرت دقائق حتى استجمعت شجاعتى ثم قرعت الجرس. يأتينى صوت الرنين فى الداخل، يجلجل متواصلا، أصبعى أصابه الخدر.أردت أن أنصرف، لكننى لم أستطع. بدأت أضرب الباب بقبضتى، ثم بقدمى حتى ارتعش. صوت الضرب الأجش يتبدد فى بحيرة الصمت، أعصابى خيوط مشتعلة. أركله بكل قوتى:
يامن هنا
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







