قرية صغير نائية ، تحيطها الحقول الخضراء وبرك المياه من كل جانب . تشتهر بتربية الأوز ، حيث تجتهد فلاحات القرية بتفريخ الأوز وتربيته وتسمينه وبيعه ، حتى أصبح يمثل لهن المصدر الرئيسي للدخل . في الصباح تمتلئ برك المياه الكائنة بجوار القرية أو الترع القريبة منها بأعداد هائلة من الأوز تفوق المئات ، وكل واحة تسبح وخلفها صغارها يتبعنها في كل حركة وكأنهن زهرات بيضاء عائمة ، وبين الحين والآخر تقف الفلاحات على الشاطئ وهن يحملن الغذاء وكل منهن تنادي أوزاتها بنداء خاص ، فيسرعن إليها سابحات ، وبعد تناول الغذاء يعدن إلى العوم .
وعند الغروب يخرج الأوز من الماء ويسير في أسراب داخل دروب القرية وكل أوزة تعرف عنوان بيتها فتتجه إليه وخلفها صغارها وهي تكاكي وكأنها تنادي صغارها ، وهن يرددن النداء بأصواتهن المميزة وكأنهن يعزفن لحنا أوزيا رائعا .
وتصادف أن أحد موظفي وزارة الزراعة المقيم بالقرية والمكلف بعمل أمين الشونة ، ومهمته وزن الغلال وتسلمها من الفلاحين بعد موسم الحصاد .
كان مرتشيا ، ويعمد إلى مضايقة الفلاحين أثناء توريد الغلال ويبخسهم حقهم مدعيا أن الغلال غير مطابقة للمواصفات . فهذا القمح من سلالة رديئة وتلك الذرة الرفيعة أرفع من اللازم ، وهذا السمسم به حصى وغير نظيف ، أما العدس فلونه أصفر دليل الشحوب والمرض ، إلى آخر الإدعاءات المغرضة مما يترتب عليه خفض درجة جودتها وبالتالي خفض أسعارها ، إضافة إلى تأخير إجراءات الوزن والتعنت في استلام الغلال مع الذين لا يدفعون الرشوة .
غير أن أغلب الفلاحين لا يملكون المال لدفع الرشوة خاصة قبل بيع المحصول وقبض ثمنه ، لذا تفتق ذهنهم عن فكرة للحل الودي بدلا من تقديم الشكاوى إلى المسئولين الذين لا يستجيبون لشكواهم ولا ينظرون فيها ، فقرروا رشوة أمين الشونة بعدد من الأوز ، وأصبح معتادا أن يذهب كل واحد من أصحاب المحاصيل ـ فبل موعد تسليم الغلال ببضعة أيام ـ إلى بيت ـ الأمين ـ وهو يحمل عدة أوزات من أكبر وأسمن ما يملك ويقدمها له قائلا : كل سنة وأنت طيب ، هدية بسيطة بمناسبة الموسم الجديد . وبذلك يضمن عدم تعنت أمين الشونة معه ويورد محاصيله وهو مطمئن البال .
وأصبح الحل الودي أو بمعنى أصح ـ الحل الوزي ـ هو سيد الموقف . وأصبح المثل السائر حينما تنشأ خلافات بين أحد القرويين وأمين الشونة
ـ يا عم حلها وزي ـ
ومرت سنوات على هذا الحال ، وفي أحد الأيام قام أحد العمال الأغبياء بغسل صفائح المبيدات الزراعية وسكب ما بقى فيها في الترع وبرك المياه فتسمم الماء ونفق الأوز ، وفقد الفلاحون هذه الثروة ولم يعد الحل الوزي ممكنا .
عاد أمين الشونة إلى مضايقة الفلاحين والتعنت معهم وغمطهم حقوقهم . ثار بعض الشباب بعد أن نفد صبرهم واتجهوا إلى قسم الشرطة شاكين الموظف المرتشي مصطحبين معهم عددا من شهود العيان .
سألهم الضابط : منذ متى يستغل هذا الموظف المرتشي موقعه ؟
ــ من عدة سنوات .
ــ ولماذا كان الصمت طوال هذه السنوات ؟ ولماذا تشتكون الآن ؟
ــ كنا نفضل حل المشكلات وديا ، والآن بعد أن نفق الأوز لم يعد الحل الوزي ممكنا .
ــ لقد أخطأتم بسكوتكم ، كان ينبغي أن تواجهوا الفساد وتبلغوا المسئولين عنه لمحاسبته بدلا من التستر عليه طوال هذه المدة حتى استشرى خطره .
ــ نعم أخطأنا ، ما كان يجب نصمت ونرضى ونغض الطرف عن الفاسدين ، فهذا يشجعهم على التمادي في ضلالهم .
قامت أجهزة الأمن بمراقبة المشكو في حقه ، حتى تم ضبطه متلبسا بأخذ رشوة وتم القبض عليه ، وأبلغت النيابة واقتيد إلى المحكمة ، وأثناء خروجه من الحكمة إلى محبسه وجد في انتظاره تظاهرة من أهل القرية تصيح في وجهه ــ يخونك أكل الوز ــ

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







