«اتفاقية البعوض» قصة قصيرة للأديب خالد الطبلاوي
صاح في وجه إخوته حين احتدم النقاش وعلت الأصوات الغاضبة قائلا:
- ما زلتم تتعاملون معه بغباء، بعضكم يهشه طارداً، وبعضكم يقتله بطرقٍ شتى، ومن عجز عن هذا وذاك يلعنه وآباءه وأجداده.
كان هذا حين عقدوا جلسة عائلية خاصة لبحث كيفية التصرف مع البعوض وما أدى إليه من إصابة بعض أفراد الأسرة بالملاريا وموت عدد منهم. حضر كل منهم الجلسة وفي يده ما يعبر عن اعتقاده في حل المشكلة، فمنهم من يحمل مضرباً كهربائياً، ومنهم من يمسك برشاشة المبيد، ومنهم من رفع لافتةً تحوي من الشتائم والسب واللعن ما يستحي منه الهجاء في لغات العالم أجمع.
والعجيب أن الحجرة المغلقة عليهم لسرية الجلسة كانت مليئة بالعدو الذي يخططون لمحاربته والقضاء عليه، بل إنه ترك الحوائط وراح ليقف مباشرةً على رأس كل واحد منهم، وقد تسبب ذلك في شجارٍ بينهم حيث ضرب بعضهم بعضاً على الرؤوس ورشوا أنفسهم بالمبيد بحجة قتل العدو القابع فوق أجسادهم ورؤوسهم، وتطاير السباب هنا وهناك ليلتصق رذاذه على الوجوه بحجة سب العدو.
فكان لصيحته هذه وغرابتها الأثر العظيم في إسكاتهم جميعاً ليسمعوا رأياً لم يسمعوه من قبل، ثم انطلقت الضحكات الهستيرية في أرجاء الحجرة تصاحبها النكات والتعليقات الساخرة وبالغ بعضهم في ضحكه حتى وقع أرضاً، وبعد أن هدأت الأصوات بادره أحدهم مستهزئاً:
- وماذا تريد أن تفعل أيها العبقري ؟!
وهنا اعتدل في مجلسه وقد أتيحت له الفرصة الذهبية لطرح سياسته الجديدة مع البعوض:
- إن البعوض يا إخوتي لا يقصد إيذاءنا، إنه فقط يريد أن يعيش وأن نعترف بوجوده، يريد بعض الدم منا ليتغذى عليه، وهو غير ملامٍ في ذلك فقد خلقه الله مصاصاً للدماء، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال أن نغير من طبعه ولا طبيعته، كما أنه يريد أن يأوي إلى الحوائط ليقضي أوقات راحته بل ويقضي حاجته عليها وهذا من أبسط الحقوق.
صاح الجميع وهم يضربون كفاً بكف :
- وماذا تريد أن نفعل إذن ؟
فعدّل من هندامه شاعراً بعظمة المبتكر وقال بصوت امتزج بكبرٍ مصطنع:
- أرى أن نخصص له حائطاً في كل غرفة، وأن نقدم له كل يوم عن طريق " كانيولا" بعض الدماء يومياً وأنتم تعلمون أن دمائنا غزيرة ولن يؤثر ذلك على صحتنا، بالعكس سوف يحمينا من اللدغات المباشرة للبعوض التي تسبب الملاريا.
انفجر الجميع مرة أخرى بالضحك، وكالوا له من السباب ما كالوه من قبل للعدو، وألقى كل منهم ما بيده في وجهه وأعلنوا مقاطعته، بيد أن الفكرة لغرابتها أخذت ركناً ركيناً في عقولهم يحدثون بها أنفسهم.
وأقبل المساء واتجهت أنظار الجميع إليه وقد بدأ في التنفيذ، فقد ذهب إلى الصيدلية المجاورة لمنزلهم واشترى "الكانيولا " واستأجر من يغرسها في وريد يده اليسرى، ووقف في ردهة المنزل أمامهم يفتحها لتخرج بعض الدماء من وريده ليتغذى عليها البعوض ولينام في هدوء، ثم دخل إلى حجرته تاركاً الباب مفتوحاً ليظهر الحائط المقابل وقد كتب عليه " مرحباً صديقي البعوض، تفضل هذا مكانك ".
لم تمض إلا دقائق معدودة ليقوم صارخاً على لدغات أشد مما كان يلقى من قبل، ظنها في البداية قبلات شكر من البعوض الذي لا يعرف إلا هذه اللغة، ثم تبين له أن البعوض انتهى من وجبة الدماء الدسمة وراح يمارس حياته الطبيعية.
اقرأ أيضا | «لن يُمهلك» قصيدة للشاعر محمد يونس

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي







