«صندوق بريدي» قصيدة للشاعر الدكتور محمود خليل

الشاعر الدكتور محمود خليل
الشاعر الدكتور محمود خليل


صندوقُ بريدي

فوق جبين القاهرة الخجلى

يكتبه حرفُ الشعر على صدرِ قصيدي

عنوانًا

أو جملةَ موسيقى

أو قافيةً... نازفةً... عجلى

تبكي كلماتُ الأرضِ جميعًا

وهو الثمرُ الخالدُ... في شجرِ الخلدِ ..

فلا يبلى

هذا الصندوق الـ (VIP)

يعلن فوقَ هلالِ المئذنةِ ..

العنوانَ الأجلى

•-•-•-•-•-•-•-•

صندوقُ بريدي مفتوحٌ بجهاتِ الأرضِ جميعًا

يستقبل أشجان الناس لفعل الخير...

وأحزانَ الناسِ لفعلِ السوءْ

يفدُ إليه "الكامل" والمجزوء"ْ

يتحمّلُ كلَ "العلل"

وكل "زحافات" الناسِ.....

وفي فزع الناسِ

يصير الصندوقُ الأبلجُ عاطفةَ لجوءْ

ومساحةَ حبٍ خارجَ كلِ السلطات

وحاضنةَ وضوءْ

•-•-•-•-•-•-•-•

صندوق بريدي شارةَ ضوءٍ أحمرْ

تقطع دربَ الخطّافينَ

وأبناءِ السوقةِ والشطارْ

وله عينا رصدٍ للعيّارينَ

وقُطّاعِ السبلِ الفجار

صندوقي... أصبحَ عنوانًا للتائهِ والمحتارْ

ودليلَ أمانِ المفقودين

ودفترَ أحوالِ الحريةِ والأحرارْ

وجداريةَ مجدٍ كبرى للشهداءِ...

وللسجناءِ

وللمطلوبين بتهمِ الثورةِ والثوارُ

ومطالبَ شعبٍ يزأرُ في وجهِ السلطانِ الغاشمِ..

وطواشيه الفجار

صندوقُ بريدي

أصبحَ إيوانَ الشورى

من أهلِ الرشدِ .. وأهلِ الحلِ.. وأهلِ العقدْ

وغدا ديوانَ مظالمِ أهلِ الحاجةِ والأسرارْ

صندوقي.. أصبح شأنا عاما

في سوقِ البلدِ الأكبر

للمحتاجين .. وكلِ الباعةِ والتجار

•-•-•-•-•-•-•-•

آمنتُ بأن الموتَ هو الضيفُ الدائم عندي..

وأنا الضيفُ الدائمُ عنده

وهو الموغلُ قربًا مني

وأنا القادم بعده

وأنا ما جئت إلى الدنيا

إلا..

لأصدق في وعدي وعده

ولهذا....!!!!

فأنا أشهدُ حفلِ عزائي

ودواوينَ رثائي

من شهْدِ العلقمِ ... للأيامِ المرّةِ

لكنّي ..

لن أَطْعَمَ شهده

•-•-•-•-•-•-•-•

يسكنني حزن الدنيا طرًّا

ويهاجر حنظلُها في أوردتي...

وشراييني

وعلى صدري .. يبسُط مهدهَ

لكنّي...

أعصر ظلَّ الظلِ..

لأصنع للظامئ وِرْدَه

وأشيّعَ نفسي كل مساء

وأراوحَ ما بينِ الألف.. و بين الياءْ

وأشيّدُ بين الناس جبالاً .. وتلالاً

لحكاياتٍ.. وحكاياتْ

فأنا قافلة عزاء تتجول في الطرقات

وأنا تاريخُ مآتمِ قومٍ

ومدونةُ وفايات

من يصحبني يصحبُ لحده

ينقشُ بمساميرِ النارِ وصيتَّه للأبناء

ويحفر جلده

كالعاشق حين يعانق وجده

فأنا ميدان الزحفِ...

وأنا القائدُ

وأنا الآمرُ جندَه

•-•-•-•-•-•-•-•

وأنا شجرةُ كونٍ

لا تخضعُ لمواسمها خضرة

والماءُ السارحُ فيها لا يكسبها زهوًا

والأرض حواليها تتركها رهوًا..

ما أصعب موتِ براعمها .. صبرًا

حين تخاصمها النضرة

•-•-•-•-•-•-•-•

صندوقُ بريدي

هذا المرتحل الحال

الناطق بالأقوال وبالأعمال

أضحى كوكالات الأنباء الكبرى

صانعةِ الفعل.. وفعل الفعل..

وكلِ ردود الأفعال

فهو الرقم الأصعب في ميزان الثروةِ

أو حركةِ رأسِ المالِ

•-•-•-•-•-•-•-•

وأنا أمشي خلفي

وأسير أمامي

وعلى الجنبين تسير ملائكةٌ تأمرُ بالمعروفْ

أرأيتم كيفَ يتم حسابُ القبرِ على المكشوف

ويبعثرُ كل فنون القول حروفًا..

في أثر حروف

دوّامةَ موتٍ تعوي..

تحفر قبرًا يسع الخلق جميعًا...

ومع القبر تطوف..

•-•-•-•-•-•-•-•

وأنا وحدي ..

انتظر القادم..

ممنْ لا يُنتظرُ لعودته عوده

كي يقدح رعدي... رعده

فأنا قافلة عزاء تتجول في الطرقات

وأنا تاريخُ مآتمِ قومٍ

ومدونةُ وفايات

من يصحبني يصحب سَعْده

ويعيش مجيدًا... يرفع مَجْده

لا ينزلُ وحده

أو يجلدُ عبده

أو يمنعُ رفده

.. من يصحبني..

يصحب لَحْده

فأنا ميدان الزحف

وأنا القائد

وأنا الآمر جنده