عِذاب الركابي يكتب: سُوناته سُومريّة 

صوره أرشيفيه
صوره أرشيفيه


1

هوَ الولدُ السُّومريُّ

هدوؤهُ الوافرُ رأيٌّ

وتأمُّلاتُهُ الأنيقةُ وجهةُ نظرٍ، يقطفُ كُلَّ صباحٍ زهرةً

لنبوءةٍ أكيدةٍ، عصيُّ الدّمعِ، وحاملُ تاجَ الألفةِ الأسريّةِ

منذُ شمسينِ، وعلى مدى عمرينِ قادمينْ

ومنذُ أنْ عزفتْ «أوروكُ» لحنَها الكونيَّ، وكتبَ «جلجامشُ» قصيدتَهُ الملحميةَ، يا لهذا الولدِ الشقيِّ بإحساسهِ السرمديِّ!

خارج كُلِّ التوقعاتِ، وُلِدَ من رحمِ الانتظارْ

ولأولِ مرةٍ، قمرٌ يسطعُ فى النَّهارْ

وهوَ مَنْ هوَ؟ هُوَ «الزينُ»،  دولةُ الصَّبرِ بلا حدود، قبلَ أنْ تنطقَ الأصقاعُ، وتُعلنَ عن خرائطهِا القاراتُ، قبلَ أنْ يُعرفَ التّاريخُ والجغرافيا، ومصدرُ الإلهامِ فى الرقّةِ

قبلَ الوحيّ والأشعارِ والكتابةِ والفنونْ

هوَ الحكايةُ الشائقةُ، بعضُ حكايةِ «سومر» الأزليةِ

وزلزالُها العشقُ الإفروديتى المداهمُ

فاقتْ كُلَّ تقنياتِ السردِ، الواقعيّ والمُتخيّل والافتراضيّ!

هوَ الولدُ المفتونُ فى ذاتهِ

فى كُلِّ رمشةِ جفنٍ حالمٍ، يُطلقُ عصفورَ فرحٍ، مُختلفَ السُّلالةِ والتغريدِ والطيرانِ

فقطْ ليُطردَ المللَ العنيدَ

فى بيتٍ آمنٍ، باتّساعِ ذاكرةِ الشمسِ، فيضٍ فردوسيٍّ

جدرانهُ التى بلونِ الأملِ

مِنْ قماشِ الفصولِ، وسقفهُ الكريستاليُّ

تظاهرةُ أحلامٍ!

2

هوَ الولدُ الفستقيُّ الملامحِ

قاموسُ حنانٍ زاخرٌ، لا تتوافرُ فى غيرهِ مِنَ الّذين

وُلِدوا فى قلبِ طائرٍ مُغرّدٍ

بمفرداتِ الحنانِ، وفى ذبذباتِ جسدٍ طامحٍ، يسبقُ ظلَّهُ فى كهرباءِ الموَدّةِ، ودقّةِ وبساطةِ النظرةِ إلى الحياة!

3

هوَ مَنْ يطولُ البحثُ

فى عمقِ نظرتهِ الإلهيةِ، ويصعبُ فكُّ شيفرةِ أسرارهِ الشفيفةِ

وفى زهوٍ غيرِ مسبوقٍ، يُفاخرُ بالتفاتتهِ الذكيةِ

كمَن يضعُ يديهِ الودودتينِ

فى يديِّ نهرٍ شامخٍ

عبقِ النسماتِ، واثقِ الجريانِ

إلى اللامكانْ!

قدْ لا يجيدُ الابتسامةَ الريحانيةَ الإيقاعِ

العميقةَ ، لكنّهُ فارسُ الإصرارِ

على تغييرِ بوصلةِ الوقتِ

نحوَ الفرحِ المؤجّلِ، مهنةِ مَنْ لا يتجسّسونَ

على القلوبِ!

4

هوَ الولدُ الشقيُّ

فى  ذاتهِ الباحثةِ أبداً عن ذاتِها،

مصنعُ تأمُّلاتٍ،

بشروطِ الصَّلاةِ!

وعلى وسادتهِ «الفراتيةِ» الدفئ، «البابلية» النقشِ

وبجمالِ عينينِ لوزيتينِ، وذاكرةِ قلبٍ سيمفونيِّ النبضِ

يقرأُ الآتى الجميلَ، وأبجديتُهُ العسيرةُ ملكٌ لهُ وحدهُ،

يقترحُ أشياءَ

لا تُشبهُ إلاّ الحُلمَ!

وبتنبّاُ فى أشياءَ أخرى

لا اسمَ لها، ولها كُلُّ الأسماء

الحيرةُ فى حيرةٍ، والسؤالُ يحتاجُ إلى سؤالْ

أشياءَ وأسماءَ، ليسَ سهلاً فهمُها!

وفى وضوحٍ شاقٍّ

يُحبُّ الهدوءَ، والتأمُّلَ، وسماعَ موسيقى الألفةِ،

هذهِ كُلُّ مقتنياتهِ الحقيقية!

5

هوَ الولدُ الخُرافيُّ

كقصيدةِ نثرِ - هوس الكتابةِ التحرُّر

وبمزاجِ زهرةِ قرنفلٍ

فاجأها الربيعُ المُخاتلُ

وهى تُرتّبُ ألوانَها، وتختبرُ عطرَها،

فى همسٍ خجولٍ!

واثقُ الخطواتِ فى طُرقِ المحبةِ

وعلى جسرِ العلاقاتِ الحميمةِ،

لا تربكهُ أبداً

علاماتُ الاستفهامِ والتعجّبِ

المُبعثرةُ، عمداً، فى نواحى الحياة!

يقراُ بذكاءٍ، ويكتبُ باحترافٍ، قبلَ أنْ يُدركَ

معنى الحبرِ والأقلامِ والأوراقِ، يُعطى كُلَّ ما حولهُ تعريفاً ذكياً

أخيراً، يصعبُ البحثُ عنهُ فى الإنسكلوبيديات، والقواميس القديمةِ والجديدةِ

ليسَ لديهِ فكرةٌ عن عُنفِ اللغةِ، ولمْ يسمعْ بالاستعارةِ والمجازِ والتشبيهِ،

وتحتارُ فى رسمِ ملامحِهِ التموزيةِ

كُلُّ اللغاتْ !

6

لا تعريفَ لأبيه الناسكِ

والحياةُ معبدهُ غيرَ أنّهُ صانعُ معجزاتٍ!

أمّا أُمُّهُ الّتى يهديها، بيدين من حلوى وزعترِ، كُحلَ «عشتار»، وهيَ تعيشُ همومَها اليوميةَ، لعبةَ بهجةٍ مُراوغةٍ، فهيَ اللغزُ المنيعُ

الّذى يُصبحُ حقيقة الحقيقةِ

وهيَ تتجسّدُ فى صورةِ شجرةٍ كستناءٍ، تمدُّ جذورَها فى تُربةٍ كبريتيةٍ

وتُعطى ثمارَها الزاهيةَ فى خجلٍ ياقوتيٍّ، وفى صمتِ قدّيسٍ! 

7

هوَ مَنْ أودعَ الأزهارِ والأطيارَ

آياتِ فطنتهِ

الولدُ المنتميّ لسُّلالتهِ الطيبةِ

الصِّيتِ

لهُ رسائلهُ الفسفوريةُ الحروفِ

«ماسجات» موقظةٌ، وصادمةٌ فى آنْ

وعابرةٌ للأزمانْ

بلا كلماتٍ، رموزٌ وصورٌ لا تُرى، وتنطقُ فى شرطِ الحياةِ، وبما يعيشهُ الإنسانْ: المحبةُ أولاً.. وليسَ القلبُ، وأنَّ الألمَ والأملَ.. لا يكذبانْ! هوامش.

* «أوروك» المدينة السومرية 2100 قبل الميلاد.

* «جلجامش» الملك السومرىّ العظيم الباحث عن عشبة الخلود.

* «سومر» أرض الإنسان والتاريخ والحضارة فى المثيلوجية السومرية.

* «عشتار» إلهة الحبّ والخصب فى المثيولوجية السومرية.

* «البابلية» نسبة إلى بابل المدينة الأثرية وسط العراق.

* «الفراتية» نسبة إلى نهر الفرات العظيم.

اقرأ ايضاً | هند أبو الشعر تكتب : قصص القاهرة

نقلا عن مجلة الادب : 

2023-3-11