Advertisements

محمود الوردانى يكتب : بمناسبة بهاء طاهر (٣)

محمود الوردانى
محمود الوردانى
Advertisements

[email protected]

أواصل هنا ما بدأته قبل إسبوعين بشأن ما تردد حول الدور الذى لعبه جيل الستينيات فى بلادنا، وكنتُ قد انتهيت إلى واحدة من مآثر هذا الجيل وإنجازاته الكبرى، وهى مجلة «جاليرى 68»، واعتبرتها أول محاولة حقيقية ومؤثرة للاستقلال عن أجهزة الثقافة الرسمية المسيطرة، بعد عقود من تأميم الحياة السياسية والثقافية على السواء.


وإذا كانت جاليرى 68 توقفت بعد ستة أعداد فقط، إلا أنها أحدثت « نقلة» كبرى. فهى المرة الأولى التى يكشف فيها هذا الجيل عن هويته مستقلا، بل ومعتبرا الاستقلال أحد الشروط التى لاغنى عنها لممارسة دوره. قدّم الجيل «المنافيستو» الذى يخصه.

وأظن أن العدد الذى صدر عن القصة القصيرة وتضمن نصوصا ودراسات، هو عدد تاريخى بحق، وعموما فإن أعداد المجلة الستة لم تنتزع استقلالها انتزاعا فحسب، بل وقدّمت مايمكن اعتباره تجديدا وتمردا واختلافا وتميزا عن سائر ما كان موجودا.


وصحيح أن أغلب أبناء هذا الجيل كان لهم حضورهم، وإن كانوا متناثرين ينشرون أعمالهم فى المنابر الموجودة، لكنها المرة الأولى التى يتجمعون فيها معا فى أرض محررة، مع ملاحظة أن أغلبهم أيضا لم يكونوا قد أصدروا كتبهم الأولى.

وعلينا أن نتذكر أن واحدا من أهم أبناء هذا الجيل، وهو إبراهيم أصلان تولت جاليرى 68 تقديمه للحياة الأدبية بملف خاص تضمن نماذج من أعماله ودراسات نقدية عنه، قبل أن يصدر مجموعته الأولى بحيرة المساء. 


ومن جانب آخر، ساهم هذا فى بروز ظاهرة عُرفت آنذاك بـ «ظاهرة الأدباء الشبان»، فقد فرضوا وجودهم وهمومهم على الحياة الثقافية والسياسية، ولم يعد ممكنا تجاهلهم، وكان لابد من إسكاتهم أو احتوائهم. لما كان الحل الأول - فى ظل الهزيمة المخزية للنظام الحاكم مستحيلا- فقد كان الحل الثانى هو الأنسب.


ومن المساخر والكوميديا السوداء أن السيد شعراوى جمعة لم يكن آنذاك وزير الداخلية فقط، بل أمين لجنة الدعوة والفكر لما كان يسمى الاتحاد الاشتراكى العربى- التنظيم السياسى الوحيد -هو نفسه أمين ما أطلق عليه مؤتمر الأدباء الشبان الذى انعقد فى الزقازيق عام 1969.

وكان الغرض بالطبع إحكام القبضة على أولئك الذين يرفعون أصواتهم ويحتجون على الهزيمة ويتكلمون عن الاستبداد والفساد ويسعون للاستقلال، وبلغت بهم الجرأة إصدار مجلة مستقلة، وهو مالم يكن السماح به واردا لولا الهزيمة التى كشفت المستور وأضعفت النظام.


كان الغرض هو التنفيس والتنفيس فقط، من خلال تجميع عدد كبير من الأدباء «الشبان» لاحظ «الشبان» فقط، لأن الفئة المستهدفة هى هؤلاء تحديدا الذين يسببون الصداع للنظام، وبدأ الصداع أيضا يتحول إلى ماهو أبعد من ذلك.

وهكذا عقد المؤتمر وفى حضور شعراوى جمعة بنفسه ليشرف على كل صغيرة وكبيرة. لكن المفاجأة أن ما أسفر عنه المؤتمر تجاوز الخطوط الحمراء، وفشل الاحتواء وخرجت التوصيات مفاجئة للجميع.


طالبت التوصيات بالديمقراطية وحرية الصحافة والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وذكرت إسمى الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم كنموذج للمعتقلين السياسيين. بالطبع لم يكن مسموحا بمثل هذا الكلام من ناحية، ومجرد صدوره فى توصيات قدّمتها أمانة المؤتمر الممثلة لكل الأعضاء معناه الفشل الذريع فى الاحتواء من ناحية أخرى فى العدد القادم، إذا امتد الأجل، أستكمل شهادتى.

اقرأ ايضا | محمود الورداني يكتب: بمناسبة بهاء طاهر (٢)

 

Advertisements


Advertisements