Advertisements

عبدالوهاب بعد جولة فى عواصم أوروبا عام 1963: وحشتنى شمس مصر

موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب
موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب
Advertisements

كتب: أحمد الجمَّال

قبل نحو 59 سنة أجرى الكاتب الصحفى الراحل ثروت فهمي، حوارًا مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وكان الأخير وقتذاك عائدًا للتو من جولة أوروبية شملت عِدة دول، ورغم ثراء الحوار الذى تناول العديد من الأسئلة عن جديد عبدالوهاب على المستوى الفنى وتعاونه بألحان جديدة لأم كلثوم وصباح وعبدالحليم حافظ، فإن أغرب ما ذكره عبدالوهاب فى هذا اللقاء حين سأله ثروت فهمى عن الشيء الذى كان يفتقده طوال رحلته فى أوروبا، هو شمس مصر.. وفى السطور التالية نعيد نشر نص الحوار:

زار محمد عبدالوهاب بعض عواصم أوروبا فى الصيف الماضي، لكنه بكل أسف لم ير منها سوى غرف الفنادق التى كان ينزل فيها، وحتى الغرف كان يغلق نوافذها جيدًا لكى لا يتسرب من خلالها البرد فيصاب بالزكام أو الإنفلونزا، وبعد أن عاد إلى القاهرة اقترح عليه صديقه الشاعر كامل الشناوى أن يوفر فى المستقبل تكاليف السفر، ويكتفى بأن يعلِّق على باب غرف مسكنه لافتات تحمل أسماء.. باريس، ولندن، وروما، وبودابست، فإذا دعاه الشوق إلى زيارة باريس دخل غرفة باريس، وإذا حَن لزيارة إيطاليا دخل غرفة روما، وأغلق نوافذها.

وقال عبدالوهاب: «إننى أخشى أن يظن الناس أن هذه إحدى تشنيعات كامل الشناوي، ولكنها الحقيقة فأنا لم أغادر فعلًا الغرف التى نزلت فيها وذلك بسبب الروماتيزم الذى نزل ضيفًا على جسمى فى هذا الصيف».

المعروف عن عبدالوهاب أنه من أشد الفنانين حرصًا على صحته، فهو يحرص عليها أكثر من حرصه على الفلوس.. فكيف إذن تسلّل الروماتيزم إلى جسمه دون أن يعلم؟!
وأعرف من الحديث مع عبدالوهاب أنه ما كاد يعود حتى بدأ فى بحث حالته والاتصال بالأطباء.. إنه كان يعتقد أن المسألة مجرد برد بسيط ولكن البرد تطوَّر إلى روماتيزم.. أنه ينتظر الآن نتيجة التحليل.

الريف الإنجليزى
وأسأل عبدالوهاب: «وهل منعك البرد أو الروماتزم من التمتع برحلتك تماما؟»، وأسمعه يجيب وهو يبتسم ابتسامة رقيقة: «لا طبعًا.. استطعت أن أمضى فى الريف الإنجليزى بضعة أيام.. نزلت فى شقة جميلة ودُهشت عندما وجدت أن الريف هناك يختلف تمامًا عن العاصمة.. إن فى العاصمة مصانع ومداخن.. أما الريف فمليء بالأزهار والخضرة والحدائق.. وفى فرنسا زرت القصر الذى كان يعيش فيه نابليون، وفى النمسا زرت بيت موزار.

وقطع الحديث أحد زوار عبدالوهاب وهو الدكتور على عثمان ثابت، المدير العام بمركز سرس الليان، التابع لهيئة اليونسكو، وعلى فكرة أنه فلسطينى المولد، وكان قد قرأ فى «أخبار اليوم» أن عبدالوهاب سيسجل أسطوانة جديدة عن فلسطين، يخصص إيرادها لإغاثة اللاجئين.. ولهذا سمعته يسأل عبدالوهاب عما إذا كان ما قرأه صحيحًا ولمن سيؤول إيراد هذه الأسطوانة؟

وسريعًا قال عبدالوهاب إن وكالة إغاثة اللاجئين فى لندن اتصلت به، وطلبت إليه أن يسجل هذه الأسطوانة، وأنه وافق بشرط أن يقف على مزيد من التفصيلات.
ووعـــدته الوكالة بأنها ستوفد مندوبًا إلى القاهرة لزيارته وتقديم كافة التفصيلات.. وقد اتصل به المندوب بعد وصوله واستقر الرأى بعد اتصال تليفونى على تأجيل الحــــديث أســــبوعًا واحدًا بعده يلتقى بالمندوب.

اقرأ أيضًا

في الخدمة على مدار العام.. مستشفيات فرنسا تفتح أبوابها لمحمد عبدالوهاب 

وقد طلب الدكتور على عثمان من عبـدالوهاب أن تكـون أغنية فلسطين حماسية، لا أثر فيها للنواح أو الشـكوى.. وقــال عبدالوهاب إنه سيدرس الأمر بعناية، وأنه سيجمع أكبر قدر من المعلومات عن عرب فلسطين قبل أن يبدأ فى إعداد اللحــــن.. وبعد انصرافه عــــدت لاستئناف الحديث وسألته عن الأعمال الفنية التى أنجزها فى أثناء وجوده فى الخارج.

فقال: إنه لحن قصيدة كامل الشناوى التى يهاجم فيها قلبه بقوله: «أنت قلبى فلا تخف.. وأجب هل تحبها؟»، وفى هذه القصيدة يقول كامل «لست قلبى أنا إذن إنما أنت قلبُها».. وسوف يغنى عبدالحليم هذه القصيدة فى فيلم «معبودة الجماهير».. 

وقد لحَّن لصباح أغنية عن عيد الميلاد.. وهى من لون جديد، فقد تعَودنا فى حفلاتنا أن نستعين بمطرب أو مطربة لإحياء الحفلة، بينما يغنى الأجانب فى أعياد الميلاد أغنية جماعية يرددونها جميعًا، وهذا ما فعله عبدالوهاب فى هذه الأغنية التى ستقدمها صباح فى أول حفلة تقوم بإحيائها فى القاهرة.

- قلت له: أهذا فقط كل ما أنجزته طول غيابك فى الخارج؟
هذا عدا (التجمع) و(السرّحان) وهما أمران لا يمكن إنجازهما فى البيت.. يعنى أنا دلوقت عندى خواطر كثيرة لا ينقصها شيء إلا أن يصوغها الشاعر.

- اعتدت أثناء رحلاتك إلى الخارج القيام بدراسات فنية للإفادة منها فى ألحانك، فماذا كان لون دراساتك هذه المرة؟
كانت دراساتى هذه المرة تتجه إلى الفولكلور الجزائري، لأنى عاوز أعمل حاجة للجزائر بس بشرط الحاجة دى تكون فيها روح الجزائر.

- فاضل عبدالحليم.. ما أخباره؟.. وإلى أى مدى يتقدم صحيا؟
صحة عبدالحليم كويسة، كان لازم يتعمل له 12 حقنة على فترات لتقضى على النزيف إلى الأبد، وقد فضلنا أن ينجز هذه الحقن فى هذه الرحلة ليستريح مرة واحدة، وفاضل له فى الحقن دى دلوقت حقنتين حيخلصهم فى ظرف 15 يومًا ويرتاح 15 يومًا زيهم، وبعد شهر على الأكثر يكون معانا فى مصر.

- وما أخبار اللحن الذى تقوم بوضعه لأم كلثوم؟
لقد اتفقت معها على عدم التحدث فى هذا الموضوع.

- بس الناس عاوزه تعرف اللحن ماشي.. واقـــــــف.. إيـــــــــه حكايتــــه بالضبط؟
صحفيًا، لا أستطيع أن أجيب.. لكن بينى وبينك الشغل ماشي.. سأقابلها الليلة وحنسمع اللحن بعد ما اتعدل، لكن إحنا اتفقنا ما نتكلمش علشان الناس ما تستعجلش.
المساج الطبيعى
وقطع الحديث مرة أخرى دخول المطرب جلال حرب، وهو من تلاميذ عبدالوهاب القُدامى.. وعرَّفنى به عبدالوهاب قائلًا: «جلال حرب.. ما يغركش إنه يبان صغير، لكن ده مربيني».

- ووجـــــدتهــــا فـــــرصــــــة، فسألت عبدالوهاب بحماسة عن سر الشباب الدائم الذى يبدو عليه؟
فضحك قائلا: «هذا هو الفرق بين الفنان والإنسان البعيد عن الفن، فالفنان لا بُد أن يكون حساسًا ينفصل مع الأحداث، ويحمر وجهه ويصفر حسب الأنباء التى يسمعها، وهذه الحساسية تجعل الدماء تجرى فى عروقه، فتعمل له مساجًا طبيعيًا يجدِّد شبابه».

ومضى جلال حرب يقطع الحديث فى العزف على العود.. عزف أغنية (حبك أنت شكل ثاني) التى تغنيها نجاة الصغيرة.. وقال عبدالوهاب هذا ما قصدته، فالجديد أن تغنى نجاة أو فايزة لون فلانة أو فلان، أما أن تغنى فايزة أو نجاة لونهما فليس فى هذا أى جديد.

وحشتنى الشمس
وأمسك عبدالوهاب عوده، وبدأ يدندن إيذانًا بإنهاء الحديث، لكننى استوقفته.. قلت: ما تزال فى جعبتى بضعة أسئلة..

- كيف كنت تتابع أخبار مصر وأنت فى الخارج؟
ـ كنت أستمع إلى محطة «صوت العرب» وهى تُسمَع بوضوح فى الليل.

- وما أول عمل قمت به بعد وصولك إلى القاهرة؟
ـ ذهبت إلى المقابر لزيارة والدتي.

- معروف أنك دقيق فى اختيار أطعمتك، فماذا كنت تفعل مع الأطعمة الغربية؟
ـ كنت أطلب أكل مخصوص.. وأنا معدى على باريس رحت محل جزائرى وأكلت «كسكسي» بالسكر.

- وأكثر شيء وحشك فى مصر كان إيه؟
ـ والله وحشتنى الشمس.
(«آخرساعة» 13 نوفمبر 1963)

 

Advertisements


Advertisements