Advertisements

المتمردة

المتمردة
المتمردة
Advertisements

كان سقوطًا سريعًا، فجأة وجدت نفسى داخل القفص، متهمة بالنصب والاحتيال، لا أعرف كيف حدث ذلك؟!، كل ما أتذكره أننى أجنى ثمار أخطاء الماضى، وعنفوان شبابى، وتهورى واندفاعى لمستقبل مجهول دون دراسة.

أعترف بأن كل ذلك سببه الظروف التى مررت بها، لم أجد من يمهد لى الطريق، من يحدد لى الصواب من الخطأ، مات كلٌ من أبى وأمى، وتركانا ثلاث فتيات لا حول لنا ولا قوة، ضعفاء، ضعفاء ، نختبئ بين جدران الفقر وقلة الحيلة، حاولت التمرد على الأوضاع، لكننى لم أمتلك البوصلة الصحيحة التى تقودنى للأمان، لذلك أنا الآن حبيسة داخل قفص المحاكمة، أنتظر جزائى، وأتلمس حزن شقيقتيى، اللتين تقفان أمامى فى القاعة، أراقب عيناهما وهما يتوسلان القاضى أن يكون رحيمًا بى.

فى بيت متهالك جار عليه الزمن يقبع داخل أحد أحياء المعادى القديمة، وقفت الفتاة الصغيرة التى لم يتجاوز عمرها الـ15 عامًا وسط شقيقتيها، تتحدث عن طموحها اللا محدود، وأملها فى أن تصبح مليونيرة، تملك عصا سحرية، فتغير بها أوضاع من تحبهما، تغدق عليهما بالأموال والهدايا، وتنقلهما إلى حياة الفلل والقصور، بدلاً من السطوح، وتحذف كلمات الفقر وقلة الحيلة والعوز من قاموس حياتهما.

كان الجميع يصدقها، ويشجعها على ذلك، كانت أحلامهن بسيطة، وإمكانياتهن أضعف من أن تصل إلى هذا الطموح الكبير الذى وصلت إليه شقيقتهما الوسطى.

هن يدركن كذلك أنها قادرة على تحقيق أحلامها، فهى بارعة فى الحديث، ماهرة فى خداع من أمامها، تملك من مقومات الجمال والوسامة ما تجذب العيون، مثقفة، رصينة، قليلة الكلام، كثيرة الفعل، تفكر بتأنٍ فى كل قرار تتخذه، ولا تخسر مبارزة دخلتها، حتى فى الهزيمة تخرج منتصرة ولا ترفع راية الاستسلام بسهولة.

كانت تتحدث، وتحلم، وهن يسمعن ويصدقن، فلم يعد لديهن أمل سوى الإيمان بطموح شقيقتهما الوسطى، لقد توفى الوالدان منذ عام، هاجمهما المرض الخبيث، شاهدن بأعينهن معاناة وقسوة هذا المرض على من يحبوهن، خسرن كل ما يملكن على علاج والدهن من مرض السرطان، ولم يعد لهن دخل سوى معاش والدهن الذى لا يكفى المأكل والمشرب.

مرت السنوات، وتخرجت الفتاة «الطامحة» فى كلية الآداب قسم «الإنجليزى»، لكن لم تبتسم لها الدنيا كما أرادت، بحثت كثيرًا عن العمل، وجدت الأبواب مغلقة أمام طموحها، والشروط تعجيزية بالنسبة لفتاة مازالت حديثة التخرج.. أدركت أن التعجيل بالعمل ليس مبررًا، عملت على نفسها جيدًا، حصلت على دورات، نمت موهبتها ولغتها، جمعت أوراقها وبدأت تعرض نفسها على الشركات.

كانت الصدمة أقوى مما تخيلت الفتاة، هى تملك «سى فى» قويًا، لديها لغتان، ودورات فى مهارات التواصل والعلاقات العامة، لكن الأمور خرجت عن كل ذلك، كانت نظرات أرباب العمل لا تتجه الى ما تحمله من أوراق وشهادات، بل إلى جسدها، حيث الجمال الجذاب والعينين الواسعتين، والقوام الممشوق، إلى جانب الجرأة فى الحديث، والضحكة التى تملأ المكان بهجة وأنوثة.

أدركت الفتاة أن الأمور تغيرت، وأن الشهادات لم يعد لها قيمة ولا أهمية فى ذلك العصر، لكن غرورها أبى أن يتركها تعود عاجزة إلى شقيقتيها اللتين تنتظران على لهفة معرفة مصير عملها، فهى بالنسبة لهما الهواء الذى يتنفسان به، لقد أغرقتهما بأحلامها، ومنحتهما أملًا فى الخروج من قمقم الفقر إلى سعة الرزق والمال الوفير والحياة المرهفة.

ورغم ذلك عادت الفتاة إلى بيتها، والانتصار يعلو وجنتيها، لا تريد أن تظهر منهزمة أمام شقيقتيها، فتقتل حلميهما، اخترعت قصة لهما، أخبرتهما أنها وجدت عملًا فى الخارج، ستسافر إلى إحدى الدول العربية، وستعمل فى كبرى الشركات التجارية هناك، تتولى إدارة العلاقات العامة فى هذه الشركة، وستتقاضى راتبًا كبيرًا، يفوق أحلامها.

ارتسمت السعادة على وجهى شقيقتيها، قاما باحتضانها، وطلبا منها بعد أن تستقر فى عملها هناك أن ترسل إليهما للعيش معها.

اكتفت الفتاة بابتسامة تمزج بين الحزن والقلق، وجلست فى حجرتها تفكر ماذا تفعل، ما خططت له فشل، الجميع ينظرون إلى أنوثتها الطاغية، ويتجاهلون مهاراتها وقدراتها، قررت أن تحول القصة إلى حقيقة، توجهت بأوراقها إلى شركات التوظيف بالخارج، قدمت شهادتها، وأعلنت موافقتها على أى شروط تفرضها الشركة عليها مقابل السفر للعمل للخارج.

استجابت الشركات لشروط الفتاة، تأشيرة العمل مقابل تحويل نصف الراتب لمدة عام كامل، وافقت، بعدها سافرت إلى إحدى الدول العربية، وأحلامها تسبق طائرتها.

عملت فى إحدى شركات التجارة الصغيرة، كانت مسئولة عن ترجمة الخطابات المتداولة بين الشركة والشركات الأجنبية بشأن الاستيراد والتصدير، ابتسم لها القدر، أفسح لها الطريق لتحقق أحلامها كما أرادت، كبرت فى عملها، تولت إدارة العلاقات العامة للشركة، وأصبحت شخصًا لا غنى عنه للمسئولين، لم تنس وسط كل ذلك شقيقتيها، كانت ترسل لهما الأموال، وتطمئنهما أنها ستمهد لهما الأمور للحضور والعيش معها.

انشغلت فى أعمالها، أغرتها المكاسب والأموال الكثيرة، حققت طفرات كبيرة فى حياتها العملية، لكنها فى نفس الوقت تناست شقيقتيها،عملت على تحقيق حلمها فقط، ما كان يهمها هو المال الذى كثيرًا ما حلمت به، دفعها شيطانها إلى الاشتراك فى أعمال غير مشروعة، جنت من ورائها الملايين، احترفت النصب، لكن لم يمهلها القدر كثيرًا، حيث تقدم مواطنون بشكاوى ضدها، وعندما أوشكت على السقوط، هربت إلى بلدها، دون أن تخطر شقيقتيها بهروبها من العدالة.

انتقلت الشكاوى إلى الأمن، وتم إجراء التحريات والتأكد من صحة الوقائع واحتراف الفتاة النصب، وبعد أيام تم القبض عليها هاربة فى إحدى المدن الساحلية.
تقدمت الفتاة إلى المحاكمة، وسط كل ذلك انقطعت أخبارها مع شقيقتيها، حاولتا كثيرًا التواصل معها، لكن بلا مجيب، حتى تلقت شقيقتها الكبيرة اتصالًا من رقم غريب، هاتف محامى الفتاة يرن، لقد أخبرها بكل شىء، وأعلنها بموعد جلسة المحاكمة، وعليها أن تحضر شقيقتها معها.

كانت الجلسة بعد أيام بسيطة من الاتصال، حضرت الشقيقتان إلى القاعة، خطفنا بأعينهما شقيقتهما الوسطى داخل القفص، لقد تغيرت كثيرًا، مازالت قوية ومتمردة رغم الأزمة التى تمر بها، اقتربتا منها، بكى الثلاثة معًا، تذكرتا أحلامها، وشاهدتا بأعينهما النهايات، وبعد دقائق قضت المحكمة بسجن الفتاة 7 سنوات وإلزامها برد ملايين الجنيهات التى استولت عليها، وكانت المفاجأة أن المحامى أخبر شقيقتيها بأن الفتاة خسرت كل شيء، وأنه عليهما مساعدتها لرد الأموال، فما كان منهما إلا إخباره برسالة لها «اطلب منها فقط ألا تحلم وستخرج من السجن، أخبرها بأن التمرد على الأوضاع وعدم الرضا بالمقسوم كتب نهايتها، واعلم أنه ليس لدينا سوى المنزل الذى نعيش فيه لنقدمه لها».

إقرأ أيضاً|السحر في قفص الإتهام.. تعرف علي أشهر 3 محاكمات لسحرة ببريطانيا 

 

 

 

Advertisements

 

 

 


Advertisements