أم المؤرخين الدكتورة لطيفة سالم: ثورة محظوظة بأدوات التوثيق

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
Advertisements

كتب: حسن حافظ

صححت ثورة 30 يونيو مسار ثورة يناير 2011، وأوقفت محاولة جر مصر إلى الفوضى والاقتتال الأهلي، حيث المصير الأسود الذى سقطت فيه عدة دول فى المنطقة، الحديث عن ثورة يونيو لا يكتمل إلا بالحديث عن قيمة الحدث التاريخى على طاولة البحث التاريخي، هنا تتحدث الدكتورة لطيفة سالم، أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة بنها، وصاحبة العديد من الدراسات الرائدة فى تاريخ مصر خلال القرنين الماضيين، إذ تقدم رؤيتها كباحثة تمتلك أدواتها، وشاهدة عيان على أحداث مصر، فهى هنا لا تتوقف عند المؤرخ الجالس خلف مكتبه، بل تكتسب شهادتها ورؤيتها زخما كونها مشاركة وفاعلة كما هو حال ملايين المصريين الذين شاركوا فى ثورتهم.

أكدت قدرة المصريين على التغيير بأنفسهم

الدكتورة لطيفة سالم، والملقبة بين الباحثين بـ«أم المؤرخين» لمكانتها المستحقة، قالت لـ«آخرساعة»، إن ثورة يونيو، أحد الأحداث التاريخية المهمة جدا، وتسجل فى التاريخ حقيقة أن المصريين قادرون على التغيير بأنفسهم، لأن الثورة تعنى تغيير الشعب لأحوالهم، فهى عمل شعبى جماعي، وما حدث من ثورة الشعب يقطع الطريق أمام كل من يقول إن ما حدث انقلاب أو أى شيء من هذا القبيل، خاصة أن ما جرى بعد ثورة يونيو أثبت أنها بكل المقاييس ثورة حقيقية من تغيير نظام وتغيير اتجاهات وتغيير أفكار وتغيرات شاملة للمجتمع المصري، والأهم منع مصر من الانهيار.

إقرأ أيضًا | وحيد قرقر في ذكرى ثورة 30 يونيو: القوات المسلحة تواصل دعمها لاستكمال مسيرة

قراءة الدكتورة لطيفة سالم لثورة يونيو من الناحية التاريخية لها ثقلها، لما تملكه من باع فى دراسة تاريخ مصر الحديث مع الثورات، إذ ســــــــبق أن خصصــــــت دراسة لـ«القوى الاجتماعية فى الثورة العرابية»، كما درست أحوال «مصر فى الحرب العالمية الأولى»، وهى فترة شكلت إرهاصات ثورة 1919، كما قدمت أكثر من دراسة شاملة عن عهد الملك فاروق، والتى ركزت فيها على أسباب تفجر المشهد فى مصر بثورة 23 يوليو 1952، لتكون بذلك قد غطت جميع الثورات المصرية خلال العصر الحديث، ما أكسبها قدرة على معايشة تحولات المصريين وأسباب ثورتهم، لكن يزيد على هذه الخبرة عنصر المعايشة عند الحديث عن ثورة 30 يونيو 2013.

شاركت فيها.. وشهادتى مرتبطة بعملى المعتمد على الوثائق

وعن التأريخ لأحداث ثورة يونيو، تقول: «علينا كمؤرخين أن نثبت أولا أن الأحداث التى حصلت كانت حقيقية، وأن ما حصل كان ثورة وذلك فى إطار انحيازى كمصرية شاركت فيها، حتى لا يأتى شخص فى المستقبل ويقرأ عن ثورة يونيو ويقول: هل حصلت هذه الأحداث بالفعل؟ وهنا دور المؤرخ الحقيقى فى تقديم مواد لا يمكن التشكيك فى صحتها، عبر أدوات منهجية يخضع لها الجميع»، لافتة إلى أن المؤرخ لا يمكن أن ينزع عن نفسه ثوب الوطنية كونه جزءًا من المشهد، وتابعت: «أنا مثلا شاركت وكنت جزءا من القطاع الأكبر من الشارع المصرى الذى صنع الثورة، لكن هذا لا يجب أن يؤثر فى عملى عبر اعتماد الوثائق المختلفة لرصد كل ما حدث».

ووجهت أستاذة التاريخ بجامعة بنها التحية إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، على سماحه بتقديم ما رصدته المخابرات حول أحداث أدت إلى الثورة وأحداث الثورة نفسها، وهو ما تم عرضه فى مسلسلات رمضان الماضي، مثل «الاختيار» و«العائدون»، لأنها كشفت بوضوح الكثير من الأحداث الموثقة عن أسباب اندفاع الشعب للثورة ودور الأجهزة فى حماية إرادة الشعب من المخططات التى كانت تحاك ضده، لافتة إلى أن معاصرة الثورة تجعل من الباحث التاريخى شاهد عيان تكون شهادته فى حد ذاتها شهادة ووثيقة تاريخية، كما توجد مادة ضخمة وفرتها الصحافة من بيانات رسمية منشورة، كما تمثل وسائل التكنولوجيا الحديثة مثل الفيديوهات التى توفر مادة تاريخية خام للباحث، «لذا أقول إن ثورة 30 يونيو محظوظة جدا بوسائل التكنولوجيا التى وثَّقت أحداثها بدقة بما لا يمكن من تزوير أحداثها ووقائعها».

«يونيو» استجابة الجيش للشعب.. و”يوليو” استجابة الشعب لتحرك الجيش

وشدَّدت على أن القوات المسلحة ليست مؤسسة مستقلة عن نبض الشارع، فهى ملتحمة مع الشعب، بل هى مؤسسة نتيجة الشعب نفسه، لذا كان دور المؤسسة فى الثورة محوريا لأنه نابع من تنفيذ إرادة الشارع، واستجابة لمعاناة الشعب، وأشارت إلى نقطة مهمة وهى أنه «فى ثورة 23 يوليو بادر الضباط الأحرار ثم انضم إليهم الشعب وأيدهم، لكن فى 30 يوليو تحرك الشعب أولا ثم استجابت المؤسسة العسكرية وانضمت إلى الثوار، وجاءت البداية من حركة «تمرد» التى استطاعت التعبير بشكل مادى عن رفض غالبية المصريين للنظام القائم، والأهمية هنا أن الشعب المصرى فضح محاولات جماعة الإخوان التلاعب بالشعارات الدينية لاحتكار الحكم، وهنا تكمن أهمية ثورة يونيو التى فضحت هذه الشعارات للأبد، وتعرية محاولات استخدام الدين بشكل يسيء للدين نفسه فى لعبة السياسة».

وبين الماضى والحاضر تقارن الدكتورة لطيفة سالم بين حدثين تاريخيين فاصلين فى تاريخ مصر، هما ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 30 يونيو 2013، إذ ترى أن «30 يونيو إكمال لمسار 23 يوليو فى الكثير من الملفات، مثل الاهتمام بالتصنيع والكفالة الاجتماعية ومجانية التعليم، مع التغيير فى بعض الأيديولوجية بما يتناسب مع وضعنا فى العالم حاليا، فلم يعد النظام العام اشتراكيا بالكامل، بل تبقى منه الأخذ بالعدالة الاجتماعية والكفالة الاجتماعية والحفاظ على حقوق العمالة، بالتوازى مع فتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية لزيادة معدلات التنمية فمن هنا نستطيع القول إن ثورة يونيو هى امتداد لثورة يوليو فى الخطوط العريضة، مع أخذ ثورة يونيو للمتغيرات المجتمعية فى الداخل والمتغيرات العالمية فى الخارج».

وتشير إلى أوجه التشابه بين الثورتين قائلة بابتسامة: «يوليو يونيو.. يوليو يونيو، الأمر أكبر من مجرد تشابه فى النطق»، فثورة يونيو اهتمت بالمرأة ولعبت فيها المرأة دورا رئيسيا للحفاظ على مصر من محاولة خطفها من قبل الإخوان، كما شاركت المرأة فى ثورة يوليو من قبل عندما اندفعت المرأة للعمل فى مشاريع التصنيع والتحديث التى انتهجتها حكومة يوليو، من جانب آخر تتشابه الثورتان فى إنقاذ مصر من مصير أسود، ففى يوليو خرجنا من مرحلة الاحتلال الأبدى وفساد القصر المتحالف مع الإقطاع، بينما فى يونيو انتشلت الثورة مصر من مصير الاقتتال الأهلى ومحاولات الإخوان البقاء فى السلطة بالقوة، كذلك نرى أن الأهداف واحدة فى الثورتين فى العديد من الملفات، مثلما هو الحال فى الاهتمام بالدائرة الأفريقية والتصنيع وتحقيق الاكتفاء الذاتى فى العديد من السلع والمحاصيل، وانتهاج سياسة خارجية مستقلة تنحاز للمصالح المصرية، وفى اللحظتين تعود مصر بعد الثورة قوية مشرقة مرهوبة الجانب ومسموعة الصوت على المستوى الإقليمى والدولي».

أهداف «يونيو» تحققت بنسبة 95 % رغم مرورنا بظروف صعبة

وحول ترجمة شعارات الثورة على أرض الواقع بعد مرور تسع سنوات على أحداث يونيو، أكدت أن معظم أهداف الثورة تحققت من منع سقوط الدولة فى خانة الفوضى، وأن يحكمها مجموعة من الإرهابيين، وتحقيق معدلات تنموية كبيرة، وتابعت: «95% من أهداف الثورة تحققت بالفعل، وأهمها استعادة الأمن ومنع مخطط الفوضى وبدء مشروعات النهوض بالاقتصاد والبنية التحتية والتصنيع والنهوض بالزراعة، رغم ما واجهنا من أمور صعبة عطلتنا مثل وباء كورونا ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، فضلا عن ميراث من الملفات القديمة التى كانت تحتاج إلى عمل مكثف منذ عقود، وكذلك على المواطنين أن يتحركوا أيضا، فنحن تغيرنا ولكن ليس بالقدر الكافي، فعلينا كمواطنين أن نقدم خطوات ملموسة مثل المساعدة فى ملف الزيادة السكانية والتى تلتهم خطوات التنمية».

Advertisements