رشا سنبل تكتب.. الجنة تحت قدمي أمي

رشا سنبل تكتب | الجنة تحت قدمى أمى
رشا سنبل تكتب | الجنة تحت قدمى أمى
Advertisements

للأقدام أيضًا أجنحة 
نبت فى جانب قدمى أجنحة، أمعنت النظر لها متعجبة، أليس من المعتاد ظهور الأجنحة فى جانبى الظهر، لترفع الجسد كله، لكنها أربع غلالات رقيقة شفافة ظهرت من العدم! قبل انتباهى لوجودها، تسرب لى شعور بالسكينة لم أعرف مصدره، تلاشى الألم الذى رافقنى لفترة طويلة، مع صفق الأجنحة! 


كانت الليلة السابقة قاتمة كما اعتدت، سالت دموعى، وعقبها صوت تساقط قطرات على زجاج الغرفة، استغرقت فى النوم مع صوت طبول منغمة، وتعالت فى الصباح رائحة تراب مندى، فلمس قلبى فرحة لم أعرف مصدرها، وصمت أنين الألم بقدمى.


عسير السير بصحبة ألم دائم! خضت بسببه رحلة علاج طبى، لم يسفر غير مزيدٍ من الوجع، ربما حسد ألم بى، كما قالت صديقة، أو عقاب من الله كما شخَّص أحد الأقارب حالتى، لارتدائى حجابًا صغيرًا وبنطالًا، أو أصابنى الحزن، كما أبلغنى الطبيب بعد حيرته! لا أعرف..

لكننى نظرت لقدمى كعبء كبير، ومع صوت القطرات المنزلة من السماء، دعوت الله قبل نومى. طالما آمنت بحلول القدر العجيبة، فظهر لقدمى جناحان صغيران على كل جانب، لمستهما، تحركا يمينًا ويسارًا، حاولت نزعهما فتألمت، وضعت قدمى على الأرض فارتفعتا، حملت الأجنحة جسدى، مسافة ثلاثين سنتيمتر، طول مسطرة مدرسية، كافية للحركة بسهولة، ويسر، وبدون ألم.    

 الجنة تحت قدم أمى 
حين قالت لى أمى إن الجنة تحت قدميها، تعجبت، كنت طفلة لم تتجاوز الثامنة، أطلت النظر لهما، حومت حولهما، أتحين أن ترفعهما على مائدة صغيرة، أمام كرسيها المفضل فى حجرة المعيشة، وهى تشاهد المسلسل فى الساعة السابعة، ميعاد مقدس مقطوع بشكل يومى لمتعتها الخاصة، تغوص فيه فى أحداث غير حقيقة، متأثرة بكل تفصيلاته.

وأنا أمعن النظر لقدميها الصغيرتين، أبحث عن الجنة التى تحت قدميها! أفتش عن المكان الغيبى الموجود فى السماء، الذى عرجت إليه جدتى، عن الأنهار والأشجار والنخيل والحلوى كما أخبرنى أبى، عن رؤية من لا تُدركه الأبصار، وهو أحاط بها! 


خلع الأحذية
ظهرت تجاعيد كثيرة على وجه أمى، أصابها المرض، فأخلع نعليها، أضع قدميها فى وعاء بلاستيكى كبير به ماء دافئ، أفركهما، وأدلكهما، فتتداعى جملتها على ذهنى، أسفل تلك التجعيدات الرقيقة بالقدم توجد قداسة ما، تلك الرقة من الجلد تستر تحتها نعيم كامل، تبكى وتدعى لى، فأجيبها:


أحب قدميكِ، يا أمى!
أذكرها عن نبذى للأحذية فى طفولتى، السير بحذاء، يحرمنا الكثير، تحسس نعومة الرمال، سخونتها على الشاطئ، نداوة العشب الأخضر فى الحدائق، برودة بلاطات البيت، ودفء الباركيه الخشبى، الأحذية تعصَّب إحساسك، ابتسمت لها:


هل تتذكرين خلعى للحذاء، عند دخولى بعض البيوت!
 ضحكت: 
كنت أغضب، وأعدك بعقاب كبير فى البيت!
لم أخلع حذائى إلا فى بيوت أحببتها، وصل لقدمى دفئها، فاحت من جنباتها طهارة استشعرتها، ليس للموضوع علاقة بنظافة المكان، غناه أو فقره، فالقدم ترى، تحس، وتشعر، كانتا كشافات إحساسى بالخطر، لم أخلع حذائى مرة فى مكان لم أشعر باللطف يفوح منه.


الخروج مرة أخرى
 حينما اختفى الألم وظهر الجناحان، دبت رغبة الخروج فى نفسى بعد انعزال كامل، التصقت فيه بالسرير لمدة طويلة، كادت تفاصيل الطرق تتلاشى من عقلى، رائحة الهواء، شكل المارة، زحامهم، حين تلاشى الوجع، لاحت الدروب التى نسيتها فى عقلى بشدة، غمرتنى الإثارة، والسير حافية القدمين مرتفعة عن الأرض بمقدار مسطرة، دون الشعور بتعب أو ألم، ليس كما شعرت أمى من قبل، وقت مرضها بالسكر، فقدت معه الإحساس بقدميها، سأسير لفترات طويلة، دون خطورة بل بمتعة خالصة..


قبل الشعور بالألم
عشقت السير ليلًا، المشى لمسافات طويلة، دون صوت، سوى صرير قدمى يحكان فى أرض الشارع، والإنصات لأنفاسى المتلاحقة، صخب أحببته، وفقدته مع الأصوات الكثيرة الأخرى التى علت حولى، فأفسدت النغم الذى ألفته لسنوات، صوت أبواق، وسباب، ومشاجرات. زحف الألم ببطء، أنظر معه لقدمى بحزن، أصاب كشافى جسدى عطبٌ ما، فرفضا التعرف على مزيد من الأماكن، اعترضا على الدخول إلى عتبات لا يرتاحان فيها، لكننى أريد السير، هذا ما يتحتم على فعله، توفيت أمى، ونٌزع من البيوت المرحبة الدفء، وااقتلعت الطهارة من الأرض التى اعتدت السير عليها.. 


بعد وجود الأجنحة
بعد ظهور الأجنحة، بدأت التدرب فى البيت، والتعرف على ما ينبغى علىَّ فعله، لم يؤثر فيهما شىء لا حرارة، ولا مياه، واستطعت التحكم بسرعتهما، الارتفاع والانخفاض، أصبحتا قويتين، استطعت ركل كرة صوف بقوة، ثم حطمت صندوقاً خشبياً بضربة رجل واحدة ما تخيلت شدتها، بينما رفضا الدخول فى جورب أو حذاء مهما كان مفتوحًا، كلما هممت بحبسهما، يرجع لهما الألم كقطار متعجل، لن تكون مشكلة أن أسير فى الطرقات بقدمى عاريتين وهما ترفعانى، هكذا حدثت نفسى!


الخروج
حين خروجى لأول مرة بالجناحين، استترت بالظلام، فلم ينتبه لى أحد، غمرنى شعور طاغ، سرت عشرة كيلو مترات فى زمن قياسى، ذاقت القدمان الحافيتان ما لم تعرفاه من قبل، أطلق الجناحان قوة الإحساس بهما لأقصى درجة، دون أن يلمسا شيئاً، شعرت قدماى بالتراب، الطين، الماء اللزق، القاذورات، خشونة الرصيف، العشب الأخضر، الندى، دون إحساس واحد بالألم، بل بسعادة طاغية، عرفت القدرة، الحرية، والمرح، استغرقت بعدها فى نوم هادئ لم أعرف مثيله من قبل. فى الصباح، قررت الخروج، فاعتلت الصدمة وجه كل من قابلنى فى البناية والشارع.. فقررت تكرار الأمر كل يوم حتى يعتادوا، هكذا ظننت! وخرجت كل يوم..


 أمام باب منزلى سمعت همسًا:  
ما هذا!
شكلها «مخاوى»! 
هذا يخالف الشرع، فأقدام النساء عورة!
وسط جمع يتزايد، تعالى طنين اعتراضات متلاحقة صاخبة، بعد سماعهم، كدت أُخرج صوتى، أشرح لهم، أننى لم أفهم منطقهم، لم أدافع عن نفسى، لم أتكلم، وانشغل عقلى بالحديث معى، بالبحث عن إجابات لن أجدها، ما الضير الذى يلحق أحداً بخروجى دون حذاء، لماذا كل هذا الاشمئزاز من الأقدام، أليست مثلها مثل اليد، عضو آخر خلقه الله، هل ستؤذيهم تلك الأجنحة، سأجرح قيمهم بخروجى حافية القدمين، أم إن الارتفاع طول مسطرة هو ما يخيفهم، كيف تحولت من الجارة البارة لأمها، والمسكينة بمرضها، لتلك الأخرى الملعونة، المخيفة، والتى يخشون على أطفالهم منها؟! هنا تكلمت:


مكث أطفالكم فى بيتى أكثر مما جلسوا معكم، فأنا جليستهم لكل لحظاتكم المتأزمة دون أجر!
علت أصواتهم، التفوا حولى، حاولوا نزع الجناحين، فهربت من أياديهم، اختبأت فى مدخل عمارة قديمة مهجورة حتى رحل الجميع، انكمش جسدى متكورًا، أمسك بقدمى، وتمنيت لحظتها أن أختفى..


قدم سكرى
خشيت خسران أمى لإحدى مكونات قدميها الصغيرتين، تلك الأصابع القصيرة، المصفوفة بجوار بعضها البعض فى تراص منحوت، المنحنى الذى يربط بينها، وبين كعبها الصغير المدور، تلك القدم التى تحتها أنهار الماء العذب.

ولقاء الأحبة. كان مرض السكر استشرى، وإحساسها بقدميها يتلاشى، لا ألم، لا برد، ولا شعور بجرح قد يصيبهما، فعكفت على الاهتمام بهما، خوفًا من فقدهما، اعتنيت بهما كل ليلة، أطهرهما من أى جرح، مهما كان صغيرًا، أدهنهما، ثم أقبلهما، فتضحك.. خشيت أن أفقد جزءاً من أمى، وحين أتى ميعاد ذهابها، رحلت كلها كاملة.  


التخلص من الأجنحة
 رغبتهم فى التخلص من الغلالات الرقيقة الشفافة، أصبحت مرعبة، لم يكفوا عن البحث عنى، حاولوا الإمساك بى، قص الأجنحة، تكلموا بثقة عن نزعها، عن بتر قدمى لو لزم الأمر، حينما حبسنى المرض لم يشمئز أحد، وقت ارتدائى للجوارب الثقيلة، والأحذية المغلقة الضخمة، لم تكن قدماى خطرة، والآن حين تحررا من الألم، أصبحتا مخيفة، مرعبة، ومحرمة. 


 تكلم طبيب أمى ببرود عن بتر قدميها، روتين فعله قبل ذلك مع غيرها بشكل عادى، كدت أحطم أنفه، صرخت فى وجهه المنحوت كتمثال ثلج، والجنة التى تحتهما! ذابت عيناه من حرارة كلامى، تركته يسيل كدجاجة خرجت من المبردة، أخذت أمى ورجعنا إلى البيت، لن أسمح أن يحدث لهما ما قاله، حافظت على قدمى أمى رغم ما كلفنى الأمر، ونجحت.. 


زاد التحامهم حولى، علا صوت مقصاتهم الحادة، شحذ سكاكينهم، صرخت فيهم، سأنقذ قدمىَّ، أجنحتهما الرقيقة، الحاملة لجسدى النحيل طول مسطرة، سأكون أماً والجنة من تحتهما، رفعتنى الأجنحة طول مسطرة، ثم طول بناية، ارتفعت وارتفعت.. ولوحت لهم من علِ. 

اقرأ أيضا | رمضان عبد المعز: بر صديقة الأم من بر الوالدين| فيديو

Advertisements