د. طارق عبد العزيز يكتب: بعد اختفاء نصف قرن.. حكاية عودة اللوحات الثلاث الضائعة

لوحة «إنسان السد» للجزار
لوحة «إنسان السد» للجزار
Advertisements

> تاجر أنتيكات أبلغ بوجود لوحة للجزار معلقة على حائط «كافيه» فى شبرا

> فيلم «هى فوضى» لخص القضية  فى مشهد واحد!
سلسلة من التحقيقات والحوارات الصحفية خاصة بثروات مصر التشكيلية الضائعة والتى لاتقدر بثمن بدأتها عام 2015، واليوم وبعد ظهور ورثة «المقاول محمد عبد الملك» فى المشهد التشكيلى تعيد «أخبار الأدب» فتح هذا الملف الشائك، وربما نستيقظ غدًا أو فى القريب العاجل عن ورثة آخرين يعيدون لنا لوحة «إنسان السد» للفنان الرائد عبد الهادى الجزار، ولوحات أُخرى غائبة منذ أكثر من نصف قرن.

والأسئلة التى تراودنى الآن ولا أجد لها إجابات واضحة: من المسئول عن وصول هذه اللوحات إلى يد من لا يدرك قيمتها؟ وهل نحن بهذه السذاجة كى نفرط فى كنوزنا الفنية؟ وهل كان المسئولون عن الثقافة فى مصر لا يستطيعون سن قوانين تحفظ هيبة هذا التراث الذى تركه رواد الفن التشكيلى المصرى؟!


الثروة الضائعة
بالتأكيد كان هناك خلل واضح فى القوانين القديمة وطرق استعارة الأعمال.. أدت لفقدان العديد من اللوحات المهمة التى تمثل جزءًا مهمًّا فى تاريخ الحركة التشكيلية المصرية.


واليوم وبعد عودة ثلاث لوحات مهمة بفضل الدعاء ومجهود بعض المخلصين من محبى هذا الوطن، من حقنا أن نفرح ونهلل بعودتها ونشيد بمجهودات القائمين على الحركة التشكيلية فى مصر وعلى رأسهم وزيرة الثقافة د. إيناس عبد الدايم.

وقبل كل ذلك نكرم من أعادها تكريمًا لائقًا بقيمة هذه الثروات، لكن فى نفس الوقت علينا أن نحزن على باقى الأعمال المفقودة التى لا نعرف مكانها وأين ذهبت ولمن؟! علينا أن نجتهد ونشكل لجانًا تضم خبراء فى هذا المجال تبحث كيفية استعادة هذه الثروة المفقودة، يجب أن يكون الشغل الشاغل لقطاع الفنون التشكيلية بقيادة د. خالد سرور فى الفترة القادمة هو عمل استراتيجية جديدة ومختلفة لإعادة اللوحات الغائبة لأحضان متحف الفن الحديث سواء أكانت داخل مصر أو خارجها.


كلمة السر «عبد الملك»!
يحسب لوزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسنى القرار الذى أصدره عام 1993 بمنع الإعارات نهائيًّا إلا بقرار وزارى ويتم متابعة العمل كل عام مع تحديد مدة الإعارة، فقد ساهم هذا بقدر كبير فى الحد من ظاهرة فقدان الأعمال الفنية وخاصة أعمال الرواد.

ونعود إلى قصة عودة اللوحات الثلاث التى تتلخص قصتها كما أعلنها قطاع الفنون التشكيلية فى أن هناك معلومات مؤكدة بحدوث عملية بيع للوحة المفقودة والمعنونة بـ«من وحى فنارات البحر الأحمر» للفنان عبد الهادى الجزار (1925-1966).

والتى رسمها عام 1964، وفُقدت منذ عام 1971، ولا يُعرف مكانها.. بعد ذلك أصدر قطاع الفنون التشكيلية بيانًا تحذيريًّا ربما لأول مرة فى هذا الشأن «بمنع التعامل بالبيع أو الشراء لهذه اللوحة تحديدًا التى تعد ملكًا لوزارة الثقافة.

وكانت «فيروز الجزار» ابنة الفنان عبد الهادى الجزار قد نشرت عبر صفحتها على الفيسبوك شكرًا موجهًا لمدير قاعة إبداع «نبيل أبو الحسن».. الذى صرح بأن تاجر أنتيكات يدعى «سيد زينهم» أبلغه بوجود لوحة الجزار لدى ورثة أولاد عبد الملك معلقة على حائط كافيه فى شبرا الخيمة، وبالتحديد فى حوزة «هشام عبد الملك» حيث كانت العائلة معروفة بشراء التحف والأنتيكات من خلال المزادات العلنية.

وكان من بينها لوحة الجزار ولوحات أُخرى.. وانتهت القصة بأن أقنع نبيل أبو الحسن من يملك اللوحة بأنها ثروة قومية ويجب إعادتها للوزارة حتى لا يتعرض للمساءلة، وبالفعل استجاب عبد الملك وأعاد اللوحة عن قناعة شخصية لوزارة الثقافة واستقبلته الوزيرة د. إيناس عبد الدايم فى مكتبها وشكرته وكرمته.

وجاء ذلك بعد اتصالات عديدة من خلال ابنة الجزار بالتنسيق مع وزارة الثقافة.. ثم جاءت المفاجأة الثانية سريعًا بتسليم عملين آخرين اتضح وجودهما بمخازنهم الخاصة، اللوحة الأولى للفنان صلاح طاهر (1911-2007)، والثانية للفنان صالح رضا (1932-2018).


الأعمال تعرض فى «الحمامات»!
هاتفت الفنان الدكتور حمدى أبو المعاطى رئيس قطاع الفنون التشكيلية ونقيب الفنانين التشكيليين السابق لاستطلاع رأيه فيما حدث، حيث كنت قد أجريت معه سلسلة حوارات صحفية بشأن هذا الملف.


فى البداية أعرب أبو المعاطى عن سعادته بعودة اللوحات الثلاث شأنه شأن باقى الفنانين التشكيليين، لكنه قال: نحن هنا نبحث فقط عن النتيجة وليس الأصل، فهناك إجراء هو الأهم يجب أن نهتم به.

وهو متابعة الأعمال المعارة سنويًّا وهذا دور قطاع الفنون التشكيلية، فهناك أعمال معارة إلى مؤسسات حكومية، وهذا لا شك هدف نبيل لنشر الوعى الثقافى والفن التشكيلى فيها، وتذكَّر أبو المعاطى واقعة مهمّة عندما كان رئيسًا لقطاع الفنون أنه فوجئ بوضع أعمال فنية ذات قيمة بحمامات إحدى الدور الصحفية.

د.حمدى أبو المعاطى: علينا أيضًا أن نوقف إعارة الأعمال فورًا داخل مصر وخارجها 


 

وأنه طالب بعودتها فورًا لمتحف الفن الحديث فور اكتشاف الواقعة، وجاء رد المسئول أن هذه الأعمال ملك للمؤسسة ونضعها فى المكان الذى نريده، ورد عليه أبو المعاطى بأن هذه اللوحات ملك للدولة وتعد أمانة لديكم ويجب وضعها فى مكان يليق بها كأعمال فنية للرواد.


إلغاء الإعارة
ويكمل أبو المعاطى أنه من الثابت والمتعارف عليه أن وزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية عليهما دورٌ مهمٌّ هو تشكيل لجان تضم متخصصين من إدارة الترميم بالقطاع وأمناء من متحف الفن الحديث، وخبراء فى المجال.. يكون دورهم متابعة الأعمال المعارة لجميع الجهات، وبالتالى نستطيع حصر الأعمال المفقودة أولًا، وكذلك الاطلاع على حالتها، وعندما يثبت أن هناك مؤسسة أهملت وأضرت بالأعمال يقوم القطاع بإلغاء الإعارة فورًا وإعادة الأعمال بقرار وزارى.


ويستمر أبو المعاطى فى حديثه قائلًا: إن الأعمال كانت تخرج أولًا تحت مسمى «إذن صرف» ويكتب من خلف اللوحة «إهداء».. ومن هنا تكمن القضية، حيث يتخيل صاحب المكان المعار إليها تلك الأعمال أنها أصبحت ملكًا للمكان ويتصرف فيها كما يشاء!


ويختتم رئيس قطاع الفنون التشكيلية السابق حديثه قائلًا: علينا ألا ننتظر عودة الأعمال بلا مجهود يبذل، فلدينا مسئولية وواجب يجب أن نقوم به.. يجب أن نجتهد ونضع خطة مستقبلية للبحث عن هذه الأعمال، وعلينا أيضًا أن نوقف إعارة الأعمال فورًا داخل مصر وخارجها حتى ننتهى من عملية حصر الأعمال المفقودة والتالفة، ويجب كذلك عدم خروج أعمال الرواد نهائيًّا واستبدالها بنسخ تتم طباعتها فى مركز الاستنساخ بالقطاع، وهنا سنضمن بقاء أصل العمل والحفاظ عليه.


«إنسان السد»
الفنان عبد الهادى الجزار يعد علامة من علامات الفن التشكيلى فى مصر، سخَّر ريشته لرسم أحلام الفقراء، وارتبط بالعمال والفلاحين وأبناء الطبقات الكادحة واشتهرت لوحاته بالتعبير عن ذلك، كانت نشأته بالإسكندرية بحى القبارى، فقد ولد فى مارس 1925 ورحل مبكرًا وهو فى سن الأربعين فى مارس 1966، عاش طفولته ما بين الإسكندرية وحى السيدة زينب الملىء بالتقاليد والعادات الشعبية والمحيط بالأماكن التاريخية القديمة التى تلهم الفنان وتمكنه من ترجمة ما يراه إلى أعمال فنية بديعة.

وتعد لوحة «إنسان السد» من أشهر أعماله ومن أشهر الأعمال المفقودة أيضًا واختفاؤها أقرب إلى لغز، وهناك روايات مختلفة عن اللوحة آخرها عندما ذكر لى الفنان والناقد عز الدين نجيب أنه شاهدها فى قصر ثقافة بنها وقتما كان يرأسه الفنان عبد المحسن الطوخى وبعدما خرج من الخدمة علمت منه اختفاء اللوحة..

وأنه لا توجد وثيقة بالقصر تثبت أن اللوحة فى عهدته أو معارة للقصر، وأكد أن اللوحة لم تعد للمتحف، وترددت أنباء وروايات عديدة عن رحلة هذه اللوحة لا يوجد دليل على صحتها حتى وقتنا الحالى.


وهناك أقاويل كثيرة دون سند عن رؤية اللوحة بمقر الحزب الوطنى الذى تم حرقه أثناء 25 يناير 2011، والسؤال الذى يراود الجميع: هل ستظهر لوحة «إنسان السد» فى مفاجأة جديدة ستكون هى الأقوى بالتأكيد؟! أم ستظل لغزًا محيرًا للمهتمين والمتابعين للحركة التشكيلية المصرية؟! 


هى فوضى!
عندما نشاهد فيلم «هى فوضى» للمخرجيْن يوسف شاهين وخالد يوسف ستجد ملخصًا للحكاية أو على الأقل جزءًا كبيرًا منها.. فكما ذكرت أن الجهات الحكومية تطلب من قطاع الفنون التشكيلية اللوحات المقتناة لتجميل هذه المبانى بها.


فى أحد المشاهد يظهر لص يطلب من الصول (حاتم) أمين الشرطة الذى لعب دوره باقتدار الراحل الفنان خالد صالح أن يساعده فى الحصول على اللوحة الموجودة فى مكتب المأمور والتى تقدر بأكثر من نصف مليون جنيه فرد حاتم قائلًا: «بس دى بتاعة وزارة الثقافة»، فعرض عليه مبلغ 5 آلاف جنيه، فوافق على الفور. هذا المشهد بالفعل مهم جدًا فى قضيتنا فهو يلقى الضوء بشدة على مدى الإهمال وعدم تقدير قيمة هذه الثروات والمقتنيات التى نملكها.

وأتساءل هنا: من المسئول؟!.. فالجهات التى تجمِّل جدرانها بالأعمال الفنية المهمة والمقتناة من قبل وزارة الثقافة معظمها لا يدرك قيمة هذه الأعمال.. وبالتالى يجب أن يكون للوزارة دور فى المتابعة بصفة دورية.

ويجب توثيق هذه اللوحات فى سجلات المتاحف بطرق حديثة وليس بالطرق التقليدية القديمة التى أضاعت الكثير من المقتنيات، حفاظًا على هذه الثروة التى لا يدرك قيمتها الكثيرون.
وتحضرنى هنا مقولة  للفنان الإيطالى ليوناردو دافنشى: «الحديد يصدأ من الإهمال، والمياه الراقدة تفقد نقاءها وتصبح متجمدة فى الطقس البارد، وبالمثل يفعل الكسل. إنه يستنزف قوة العقل».

اقرأ ايضا | ختام فعاليات ملتقى الخط العربي في دورته السابعة

Advertisements

 


 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

 


ترشيحاتنا