من فندق «ماندارين أورينتال» بواشنطن.. اجتماع «بيلدربيرج» يحكم العالم

اجتماع «بيلدربيرج»
اجتماع «بيلدربيرج»
Advertisements

كتب: دينا توفيق

الزمان شهر يونيو الجارى.. والمكان فندق اماندارين أورينتالب بالعاصمة الأمريكية، واشنطن.. خلف أبوابه المغلقة وبعيدًا عن كاميرات الإعلاميين والصحفيين وتحت حراسة مشددة، عُقد اجتماع بيلدربيرج السنوي، بعد عامين من التوقف بسبب وباء كورونا، أطلقت القمة العالمية وضمت نخبة من كبار الساسة الغربيين والرؤساء التنفيذيين للشركات الكبرى وممثلين من عالم المال ووسائل التواصل الاجتماعى من 21 دولة لمناقشة الشؤون العالمية.. اجتمع هؤلاء سراً، بعد توقف دام عامين بسبب جائحة كورونا؛ اتفقوا على استمرار عدم الاستقرار العالمي.. حكومة عالمية غامضة تستخدم ثرواتها والإنفاق الضخم فى المجالات التى تخدم مصالحهم بغض النظر عن أولويات الحكومات الوطنية.

 

لا تجتمع كل يوم مجموعة النخبة المكونة من أكثر من 120 شخصية بارزة عالميًا، ولكن عندما يعقد هذا التجمع رفيع المستوى، فقد تتخيل أنه سيحظى باهتمام إعلامى واسع، إلا أن ذلك لم يحدث؛ حيث تم منع وسائل الإعلام من تغطيته أو حتى ذكر مجمل الاجتماع. لم يكن هذا العام استثناءً، منذ تأسيسه عام 1954 من قبل وكالات المخابرات البريطانية والأمريكية، واجتماعاته سرية، وثلث الحاضرين له من أوروبا، والباقون من أمريكا الشمالية؛ ناقشوا كل شيء من صعود الشيوعية وسقوطها إلى الحرب النووية إلى الأمن السيبرانى وتغير المناخ. كان أول اجتماع عقده أمير هولندا ابرناردب، وكان تجمعًا من السياسيين الأقوياء من أمريكا الشمالية وأوروبا بهدف تعزيز العلاقات بين القارتين وسط مخاوف من تنامى العداء لأمريكا فى أوروبا، وخلق المزيد من التعاون خلال الحرب الباردة، دائمًا ما يذيعه بيلدربيرج عن نفسه من خلال موقعه الإلكترونى أن جلساته هى مجرد منتدى اللمناقشات غير الرسمية؛ غير معمول بهاب. ومع ذلك، فإنها تتمتع بنفوذ عالمى هائل. يستخدم الاجتماع قاعدة اتشاتام هاوسب، التى تمنع الحضور من مشاركة ما يحدث فى الاجتماعات، ما يعطى المجموعة جوًا من الغموض والشك.

 

واشتهر تعيين رئيس الوزراء البلجيكى السابق اهيرمان فان رومبويب كأول رئيس للمجلس الأوروبى عام 2009 فى غضون أيام من حضوره اجتماع عشاء بيلدربيرج الخاص الذى يبدو أنه تم تنظيمه لغرض ترشيحه. وكذلك آخرون من رموز بيلدربيرج، مثل الرئيس الأمريكى السابق ابيل كلينتونب، ورئيس الوزراء البريطانى السابق اتونى بليرب، والمستشارة الألمانية السابقة اأنجيلا ميركلب، بالمثل تولى مناصب سياسية عليا بعد حضور اجتماعاته. ولهذا السبب، غالبًا ما يُنظر إلى قوائم بيلدربيرج للمشاركة على أنها مؤشر جيد على المكان الذى قد تكمن فيه القوة فى المستقبل.

 

 وكان من بين الحضور البارزين من عالم السياسة فى اجتماع هذا العام وزير الخارجية الأمريكى الأسبق والدبلوماسى المخضرم هنرى كيسنجر البالغ من العمر 99 عامًا، ورئيس وزراء هولندا امارك روتهب  ورئيسة وزراء فنلندا اسانا مارينب، ورئيس المجلس الأوروبى اشارل ميشيلب، ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية امارجريتيس شيناسب، كما كان حضور الرئيس الأوكرانى افولوديمير زيلينسكيب هذا العام عبر الفيديو. وكان من بين الحضور من عالم الشركات رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذى لشركة فايزر األبرت بورلاب، ونظيره من شركة جلاكسو سميث كلاين اإيما والمسليب؛ والرئيس التنفيذى لشركة شل ابن فان بيردنب ومن بريتيش بتروليوم ابرنارد لونىب، ومن جوجل اإريك إى شميدتب ونائب الرئيس وكبير علماء الذكاء الاصطناعى فى فيسبوك ايان ليكونب؛ ومن ميكروسوفت حضر اكيفين سكوتب، بالإضافة إلى رئيس شركة جولدمان ساكس إنترناشونال اخوسيه مانويل باروسوب؛ وأسماء بارزة أخرى مثل ملك هولندا افيليم ألكسندرب، قائمة المشاركين مليئة بالمستشارين العسكريين، كالأمين العام لحلف الناتو اينس ستولتنبرجب، واوليام بيرنزب مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ومدير مجلس الأمن القومى للولايات المتحدة اجيك سوليفانب، ومدير المقر الرئيسى للاتصالات الحكومية البريطانية جيريمى فليمنج.

 

يمُنع المشاركون فى بيلدربيرج والأمن من الكشف عن مكان الاجتماع ومن أى شخص يمكن أن يسرب أى معلومات خلال الجلسات، وفقًا لتغريدة الصحفى الأمريكى ماكس بلومنتال على تويتر، الذى حاول دخول الفندق أثناء الاجتماع. وكذلك الصحفى المستقل اجوش فريدمانب أحد الأشخاص القلائل الذين انتظروا خارج الفندق لإلقاء نظرة على الإجراءات السرية. وتدعى النخبة أنها لا تعقد مؤتمرًا صحفيًا بشأن جدول أعمالها بسبب عدم الاهتمام بما يتم مناقشته لأنها آراء شخصية وغير رسمية. وافقت شركة Palantir التكنولوجية ، التى أنشأها الملياردير بيلدربيرج بيتر ثيل، على تقديم ادعم رقميب للجيش الأوكراني، وفقًا لتغريدة نائبة رئيس الوزراء الأوكرانى إيرينا فيريشوك. 

 

وتوضح قائمة الموضوعات التى تمت مناقشتها هذا العام تحديات الناتو والصين وإعادة تنظيم المحيطين الهندى والهادئ وسباق التكنولوجية الصينى الأمريكى وروسيا. فيما أشارت صحيفة االجارديانب البريطانية إلى أن جدول أعمال السنوات كان تدور نقاطه حول انظام استراتيجى مستقرب واماذا بعد لأوروباب؛ بينما رائحة الفوضى والأزمات تفوح منه هذا العام، وفقًا لما تم طرحه على موقع الاجتماع مثل ارتباك النظام المالى العالمى والتصدى للمعلومات المضللة وأمن الطاقة والاستدامة والصحة بعد الوباء وتجزئة المجتمعات الديمقراطية وإلغاء العولمة؛ مع توقع الحاضرين وإجماعهم على استمرار عدم الاستقرار وأن العالم لن يعود إلى طبيعته فى أى وقت قريبًا.

 

ومن الموضوعات التى أثارت علامات استفهام كبيرة هو ما دار حول المعلومات المضللة. وبالنظر إلى الضوابط العالمية المتزايدة على حرية التعبير على مدار العامين الماضيين، لا سيما عبر الإنترنت، ومحاولة إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن إنشاء ما يسمى امجلس إدارة المعلومات المضللة بهدف معلن هو اتنسيق مكافحة المعلومات المضللة المتعلقة بالأمن الداخليب. وقد تم الإعلان عن المجلس وكشفه للجمهور من قبل وزارة الأمن الداخلى فى 27 أبريل الماضى فى انتهاك صارخ للتعديل الأول احرية التعبيرب، خلال جلسة استماع بشأن الميزانية لعام 2023 أمام اللجنة الفرعية لمخصصات مجلس النواب الأمريكى المعنية بالأمن الداخلي، وبدأ المجلس العمل قبل شهرين من الإعلان، باختيار انينا يانكوفيتشب كمديرة تنفيذية له. جاء تعيينها بعد نشرها معلومات مضللة وإصدارها تقريرا كاذبا مفاده أن أصول كوفيد ثبت بشكل قاطع أنه حيوانى المصدر ولا يمكن أن يكون ناتجا عن تسريب معملي.

 

كما روجت إلى ملف ستيل، إيجور دانشينكوب المحلل الذى كان أحد المساهمين الرئيسيين فى دراسة معارضة ممولة من الديمقراطيين حول احتمال وجود صلات بين الرئيس السابق ادونالد ترامبب وروسيا، وهى عبارة عن خلاصة وافية للشائعات التى تشير إلى أن ترامب وحملته الرئاسية لعام 2016 قد تآمروا مع المخابرات الروسية من أجل مساعدته لهزيمة هيلاري كلينتون، فإن تاريخ عملها الفعلى الهزيل والثقيل لكونها عضوًا فى الحزب الديمقراطى مرتبطًا بكلينتون، يتضمن بشكل غريب فترة عملها كزميلة فى برنامج فولبرايت كلينتون عام 2017، وعملها فى المعهد الديمقراطى الوطني، وعضوًا فى مركز وودرو ويلسون الدولى للعلماء بواشنطن. بالإضافة إلى عملها كمستشارة بشأن التضليل فى وزارة الخارجية الأوكرانية، ترفع العلمين الأمريكى والأوكرانى بجانب صورتها على صفحتها على تويتر.

 

لا يمكن التقليل من قدرة الحكومة على التواطؤ مع الشركات الأمريكية لتقليص الحرية الشخصية للمواطنين. وتشير مشاركة العديد من الممثلين عن شركات التكنولوجيا الكبيرة فى الاجتماع إلى أن بيلدربيرج قد قررت أن تحقيق استمرارية الحكومة والاقتصاد يعتمد على اكتساب المزيد من السيطرة على عالم الإنترنت. وتم تطوير المجلس لمواجهة ما تم اعتباره انتقادات غير عادلة للسياسات التى تروج لها الحكومة الأمريكية. ولكن مع الانقسام الداخلى الدائر بين ساسة الولايات المتحدة، وضع مجلس إدارة المعلومات المضللة مؤخرًا فى حالة االتوقف المؤقتب واستقالت مديرته التى أثارت الجدل ايانكوفيتشب. وبحسب ما ورد سيتم مراجعة حالته خلال الـ 75 يومًا القادمة ومن المرجح أن يتم طرحها بهدوء فى المرة القادمة وتحت اسم مختلف.

 

وكما كانت هناك مناقشة حول اأمن الطاقة والاستدامةب حيث يمكننا افتراض أن الرؤساء التنفيذيين لشركة شل وشركة بريتيش بتروليوم قد لعبوا أدوارًا بارزة، كان على جدول الأعمال عنصر بعنوان االصحة بعد الوباءب. نظرًا لأن لقاح كوفيد-19 من شركة فايزر أصبح مؤخرًا الدواء الأكثر ربحًا فى التاريخ، يمكن تفسير مشاركة رئيسها التنفيذى هذا العام على أنها إشارة إلى أن بيلدربيرج تراهن على استمرار هيمنة الشركة على الطب الصيدلاني. المهم أن الأوضاع برمتها ضبابية واجتماع يكتنفه الغموض نظرًا لأن التغطية الإعلامية شبه معدومة؛ لأن نخبة بيلدربيرج لا يريدون أن يعرف أو يفهم العالم ماذا يفعلون؟.

Advertisements