إنهــا مصـــــــر

مواجهة وحوش فيس بوك

كــــــــــــرم جبــــــــــــر
كــــــــــــرم جبــــــــــــر
Advertisements

كان يوماً بكت فيه السماء بالدموع، إثر قيام مجموعة من الناس بمطاردة شاب فى الثلاثينيات، وهو يفر خوفاً من الفتك به، بحجة أنه كان يسرق سيارة، ولم يجد سوى الترعة فألقى نفسه فيها، وقذفوه بالطوب والحجارة حتى مات بشكل وحشى.

وثبت بعد ذلك أن هذا الشاب مريض نفسى، وخرج من بيته لشراء الدواء، فوجد سيارة جذبت انتباهه فاقترب يمسحها بجلبابه، فصاح أحد المارة أنه لص سيارات، وحضر داعية مزيف وأفتى بتطبيق الحد عليه، واكتملت المأساة المروعة، وضاعت حياة الشاب البرىء سدى.

كان ذلك فى أعقاب أحداث يناير، وانتشار فتاوى القتل، وظاهرة القبض على الناس وتعذيبهم وربطهم فى جذوع الأشجار والنخيل، وتعليقهم على أعمدة الكهرباء.

والنموذج الصارخ ما حدث على أسوار الاتحادية، والتباهى بتعذيب الأبرياء وخلع ملابسهم ورش أجسادهم بدوكو السيارات، وتلفيق الاتهامات والحصول على اعترافات بالإكراه، والسعى لإنشاء دولة خارج إطار القانون، وتكررت المشاهد المأساوية فى العديد من الميادين والتحرير والمقطم.

وانفجر الحصاد المر الذى تكون على مدى عشرات السنين لنجنى أشواكه الآن، فى صورة جرائم بشعة تخرج عن نطاق العقل والضمير والدين والأخلاق.
فى جريمة قتل «نيرة»، امتزجت الوحشية بالشماتة.. وحش يذبحها فى الشارع، ووحوش ينتهكون جثمانها الطاهر على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأننا نعيش فى غابة ذئاب متصارعة.

هدأت أحزاننا بخروج الآلاف من زملاء «نيرة» وأهل قريتها يودعونها لمثواها الأخير بالدعاء والصلوات، ويرسمون صورتها بأجنحة الملائكة، وهؤلاء هم المصريون الحقيقيون الذين لم تتلوث ضمائرهم بفساد الأخلاق.

الحصاد المر على مدى نصف قرن أو أكثر، عندما هبت على البلاد رياح التطرف، فاستبدلت السماحة والرحمة والموعظة الحسنة ومكارم الأخلاق، بالقسوة والغلظة والعنف ومساوئ الأخلاق.

وفى الفنون الهابطة التى تمجد السفالة والانحطاط، وتسطح عقول الشباب بثقافة الشم والمخدرات، وتضفى عليها روائح الدخان الأزرق الذى يغوص عميقاً فى العقول، فيدمى تفكيرها ويصيبها بالتبلد.

وقسوة الحياة فى الأحياء العشوائية، التى تولد الكراهية والحقد والعنف، وتخلق فى نفوس سكانها مرارة بطعم المجارى والقاذورات والحشرات، فتحالفت ثقافة العدم مع الاستهانة بالحياة.

الاستهانة بالحياة هى التى جعلت القاتل يمثل دور السفاح وهو يطعن ويذبح عروس السماء، فالذى يمنح الحق فى الحياة هو المولى عز وجل، فمن الذى أعطى هذا المتوحش الحق فى إزهاق روح بريئة، ثم يخرج العابثون وينشرون العداء؟

قضاء مصر عادل ونزيه وشريف، ويبادر دائماً بالتحرك السريع لإنفاذ العدالة وإشاعة روح الطمأنينة، وليس قضاء الشوارع والميادين واستحلال أرواح الناس وأموالهم وأرزاقهم، وعندما يلتف حبل المشنقة حول رقبة كل مجرم قاتل، ستهدأ «نيرة» فى قبرها وتصعد روحها إلى السماء راضية مرضية.

Advertisements