فاطمـة ناعـُوت تكتب: بدلة الأستاذ منصور

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
Advertisements

استيقظ الأستاذ «منصور» مبكرًا وهو نشطٌ مبتهجٌ لأن الله أخيرًا قد سمع دعاءه وأكرمه بوظيفة من أجل رزق العيال السبعة وأمهم وأمّه العجوز التى تقيم معهم فى الغرفة.  اليوم المقابلة الشخصية التى ستحدد فوزه بوظيفة كاتب أرشيف فى مكتب الشهر العقاري، أم لا، لا قدّر الله ولا سمح. «المهم اللياقة، واللباقة، والكياسة، وحسن المظهر. وكلها متوفرة فيك بإذن الله يا منصور أفندى!» هكذا أخبره الشابُّ الطيب الذى توسّط له فى الوظيفة كتر خيره.

بعدما التقاه مصادفةً فى طابور الخبز المدعوم، الذى يستطيل على طول الحارة كما الأبد. فى طابور العيش يتصادقُ الصابرون، بقدر ما يتشاجر العصبيون الذين لا يُطيقون الحرَّ والعرق والانتظار الطويل والتدافع بالأكتاف والأقدام.

وكان الأستاذ منصور صبورًا يتحمّلُ كلَّ شىء من أجل أمّه الكفيفة وأولاده وزوجته الصابرة. سبعة شهور بلا عمل جعلت الحياة جحيمًا لا يُطاق وتراكمت الديون وارتسمت على الوجه كَسرة النِفس أمام البقال والفرارجى وعم عطوة بائع الفول والخواجة جميل صاحب المكتبة التى يشترى منها كراسات الأولاد وأقلامهم. طلبات العيال لا تنتهى والحرمان يطفرُ من العيون، والزوجة الصابرة بين الحين والحين يعيل صبرُها من ضنك العيش وإلحاح الحاجات.

خصوصًا بعدما منعها المولود الأخير «سعيد» من الحياكة التى كانت ترتزق منها: نواية تسند الزير المائل. استيقظ الأستاذ منصور مبكرًا ونزل عن السرير  وتحرك بحرص نحو الحمام المشترك فى بيت الحاج حنفى الذى يؤجر الغرفة الواحدة بسبعين جنيهًا فى الشهر. اغتسل وحلق ذقنه ووضع الكولونيا، ثم عاد إلى الغرفة واتجه إلى الدولاب وهو يُحاذر كمن يمشى فى حقل ألغام؛ لكى لا يدهس عيلًا من العيال النائمين على الأرض والكنبة، وعلى حافة الشباك الذى يطل على الزقاق المقطوع من حارة، لا يعلم عنها أحدٌ إلا ساكنوها.

على الكنبة كانت أمه نائمة متكورة على نفسها مثل جنين ضئيل، وعلى الحافة كانت زوجته أم عبير تجلس مستربعة وهى تحمل آخر العنقود «سعيد» تُرضعه من صدرها. ابتسم الأستاذ منصور وهو يتأمل الرضيع مُطبقًا بفكّه الصغير وأصابعه العشرة على حلمة ثدى أمّه، كأنما يعلمُ شُحَّ الأيام فيحرص على ألا تتسلّل نقطة حليب واحدة  خارج مرمى لسانه وضراضيره. ابتسم الأستاذ منصور لمشهد الرضيع المقتصد، وفكر أن هذا الولد سيكبُر ليكون خبيرًا اقتصاديًّا أريبًا، طبعًا إن حالفه الحظ ودخل المدرسة التى تسربت منها شقيقاتُه البنات.

كيف له أن يُعلّم أربع بنات وثلاثة أولاد ؟! قالت أم عبير: «كفاية الصبيان، البت مصيرها للجواز، بَلا تعليم بلا وجع قلب. نظر الأستاذ منصور إلى الحائط المتصدّع وراء الكنبة الأسيوطى وقرأ فى سرّه بعين الرجاء:  «وزير الاقتصاد والتخطيط» وتحتها بالخط الكوفى د. سعيد منصور عطية . اسمٌ رنّان يليق برجل دولة. ابتسم فى وجه الأمل، ثم نزل ببصره وراح يُحدّق فى مشهد سعيد وهو يرضع من صدر أمه، حتى يسجّل هذه اللقطة ويتذكرها بعد خمسة وعشرين عامًا، ويحكيها لابنه الوزير. حسنًا فعل حين اختار له يوم مولده اسم «سعيد»، تيمّنًا بالسعادة القادمة على يديه الصغيرتين بإذن الله.
- صباح الخير يا أم عبير. قالها همسًا لكى لا يوقظ النائمين.


- صباح الخير يا أخويا، البدلة عندك فى الدولاب نضفتها بالبنزين على قد ما قدرت وكويت لك القميص الأبيض، بس ياقته منسّلة شوية من ورا. حاول تخلى راسك مرفوعة لفوق وماتوطيش عشان الحرف المتاكل مايبانش وأنت فى المقابلة.

وربنا يخبّز لك العيش يا أبو عبير عشان خاطر العيال. وعشان الواد سعيد كمان. ده وش السعد. قالت الجملة الأخيرة وهى تبتسم للرضيع وترفعه من تحت إبطيه وتهشّكه فى الهواء وتقبّله رأسه بشعره الخفيف. ونظر لها سعيد وكركع ضاحكًا.


ارتدى الأستاذ منصور القميص الأبيض المكوى والبدلة الكحلى التى صار عمرها الآن عشرين عامًا. أكبر بعامين من كبرى بناته. ظهرت صورتُه فى المرآة وسيمًا رغم جحود الزمن؛ بشعره الأسود وشاربه المشذّب ونظارته السوداء وقميصه الأبيض وبدلته المكوية التى تفوح منها رائحة البنزين. لن يلمح أحد تنسيل ياقة القميص لأنه مُدارَى خلف العنق.

ولن ينتبه أحدٌ لتزييت البدلة لأن الناس سوف يظنون أن قماشها مموّه وفق الموضة. إذن الشكل لائق، وحُسن المظهر متوفر. واللباقة موجودة والحمد لله، فهو مثقف وخريج كلية الآداب قسم تاريخ.  يحفظُ القرآن وكثيرًا من الشعر العربى وقرأ فى صباه أكوامًا من الكتب وشاهد عشرات المعارض التشكيلية ويعزف العود. وعمل كذلك فى التجميع والتحرير والمراجعة اللغوية فى العديد من دور النشر قبل انقطاع عيشه بعد الاعتماد على الكومبيوتر، قاتله الله، فى الجمع والمراجعة والتحرير

. «الانترفيو سيكون موفقًا والوظيفة مضمونة بإذن الله». هكذا راح يخاطبُ نفسَه وهو ينظر إلى مرآة الدولاب المشوشة لوضع اللمسات الأخيرة قبل الانطلاق لباب الرزق الجديد. ذهب إلى الكنبة وانحنى يقبّل رأس أمه النائمة، ثم قبّل  رأس زوجته، وطلب دعاءها لكى يكرمه الله برزقها ورزق عيالها. وفجأة شعر بشىء دافئ يبلل صدره. 


> يوه يوه يوووه! كده برضو يا سعيد تعملها وتبوظ قميص أبوك!
قالتها وهى تكتم ضحكة لا إرادية باغتتها وهى تنظر لرشاش البول المنطق من طفلها نحو صدر زوجها الذى وقف مذهولا لا يدرى ماذا يفعل، رافعًا ذراعيه فى الهواء كمن يتبرأ من جريمة لم يفعلها! 


> ولا يهمك يا اخويا حالا هاقوم انضفهالك بشوية ميا. ده رزق والله يا منصور، اوعى تزعل. سمّى ع الواد. بس شيله واقف عشان لسه راضع، واخبط على ضهره بشويش عشان يتكّرع، على ما أجيب خرقة مبلولة انضف لك القميص.


>أنا كده هاتأخر على ميعاد المقابلة يا أم عبير، والوظيفة هاتروح منى. استغفر الله العظيم! قالها وهو يتناول سعيد ويسنده على كتفه فى وضع رأسى كما علّمته زوجته، وبدأ يربت على ظهره بلطف لكى يتجشأ بعد الرضعة.


> ولا هتتإخر ولا حاجة يا أخويا. حالا هانضف لك القميص، وأنت ماشى فى الشمس هاينشف. بس حاول تبقى تملّس عليه بإيدك عشان يتفرد تانى كأنه مكوى.


أحضرت أم عبير قماشة فانلة قديمة مبلولة من ماء الصنبور وبدأت تنظف صدر الأستاذ منصور وتحاول أن تزيل صفار البول حتى نجحت فى مهمتها وتركت الباقى على ربنا، وعلى الشمس تكمل المهمة. 


- سمّى يا خويا. هات الواد وإلحق روح المقابلة ربنا يكرمك بالوظيفة ويجعل فى وشك القبول آمين يا رب. أنا داعيالك فى صلاة الفجر وحياة سعيد.


سَمّى الأستاذ منصور وناولها سعيد، ثم راح يعدّل من وضع البدلة، وأغلق الزرارين، ثم عاد يفتحهما حتى تستطيع الشمسُ أن تقوم بعملها وتجفف ماء الصنبور وتطيّر ما تبقى من رائحة بول سعيد.


> يا مرارى! إيه الأبيض اللى على كتفك ده يا أبو عبير؟! الواد سعيد كشط على البدلة وأللا ايه؟! كده برضو يا واد!


أدار الأستاذ منصور عنقه لينظر إلى كتفه المغطى بتجشيئة طفله الرضيع، فوجد بقعة بيضاء إهليجية لزجة على خلفية زرقاء داكنة من قماش البدلة.

ولسبب ما تذكّر لوحة «ليلة تضيئُها النجوم» Starry Night  للرسام الهولندى «ڤان جوخ». ابتسم وقال فى بصوت عال: «لله الأمر من قبل ومن بعد». 

اقرأ ايضا

سفيان البراق يكتب: أرشيف الوجع

Advertisements

 


 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

 


ترشيحاتنا