فى الصميم

كيسنجر.. بين «درس التاريخ ومزاج اللحظة»!

جـلال عـارف
جـلال عـارف

على أبواب عامه المائة، مازال ثعلب السياسة الأمريكية هنرى كيسنجر  قادرا على أن يكون حاضرا بأفكاره المهمة فى أزمات العالم الكبرى. هذا الأسبوع، وبينما كان الرئيس الأمريكى بايدن يؤكد على استمرار الحرب فى أوكرانيا واستمرار العقوبات ضد روسيا لتدفع ثمن «عدوانها»، وبينما كان يقوم بالتصعيد - فى نفس الوقت- ضد الصين ويحشد الحلفاء فى آسيا  لمحاصرة نفوذها، ويهدد بالتدخل الأمريكى فى «تايوان» إذا تركت الصين.. كان الثعلب العجوز «كيسنجر» يتحدث أمام مؤتمر «دافوس»، فى الاتجاه المعاكس محذرا من «مزاج اللحظة»، الذى يقود أمريكا وحلفاءها إلى التصعيد المستمر، ولافتا النظر إلى خطورة أن تبدأ الحروب وأنت لا تعرف أين تقف.. وكيف؟


يتحدث الثعلب العجوز من منطلق واقعيته الشديدة التى عرف بها، وبدون أن يجرى وراء «مزاج اللحظة»، الذى يسود فى السياسة الأمريكية، والذى نقل المواجهة فى أوكرانيا من منطقة «إنهاء الحرب» إلى منطقة أخرى أخطر بكثير وهى استنزاف روسيا ومحاولة إلحاق الهزيمة بها. يحذر كيسنجر من خطورة الانزلاق إلى الصدام المباشر مع روسيا. ينطلق من أن روسيا كانت طوال 400 سنة لها مكانتها ودورها الأساسى فى ميزان القوى بأوروبا، وأن الصدام معها ستكون له عواقبه الوخيمة. ويطلب من الغرب إيقاف محاولة هزيمة روسيا والدفع نحو التفاوض لإنهاء الحرب خلال شهرين على أكثر تقدير. مشددا على ضرورة دفع أوكرانيا إلى مائدة التفاوض حتى وإن كانت شروط التفاوض أقل من الأهداف التى تريد الخروج بها من الحرب مشيرا إلى تنازلات فى شبه جزيرة القرم والأقاليم الشرقية ومؤكدا أن الوضع الملائم لأوكرانيا هو الحياد الذى يجعلها جسرا للتفاهم بين روسيا وأوروبا!!


لا ينطلق كيسنجر من فراغ، وهو - بالتأكيد- ليس وحده من يخشى فى أمريكا من عواقب «مزاج اللحظة» الذى يقود للتصعيد ضد روسيا، وأيضا ضد الصين التى حذر الثعلب العجوز من التصعيد معها حول «تايوان»، مطالبا بالعمل على بناء علاقة طويلة الأمد رغم التنافس بين واشنطون وبكين. تزامن حديث كيسنجر مع افتتاحية مهمة من هيئة تحرير «نيويورك تايمز»، تقول «إن التوصل إلى سلام عن طريق التفاوض قد يتطلب اتخاذ «كييف»، بعض القرارات الصعبة، لأن تحقيق نصر عسكرى حاسم ليس بالأمر الواقعى!


واضح أن ما أسماه كيسنجر «مزاج اللحظة» يثير المخاوف لدى قطاعات تتزايد داخل أمريكا ودول أوروبا، خاصة مع تزايد ضغوط الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، ومع توقع الأسوأ إذا استمرت الحرب، وإذا قادت للتورط المباشر فى صدام مدمر مع روسيا لا يستطيع أى طرف تحمل عواقبه. خاصة إذا ترافق ذلك مع التصعيد على الجبهة الآسيوية، والدفع نحو طريق يجد فيه الغرب نفسه فى مواجهة مع الصين وروسيا معا.. وهو الهاجس الذى يزعج كيسنجر منذ أن كان فى السلطة وحتى الآن!!


بالطبع.. لا يستهدف كيسنجر أى تراجع أمام روسيا أو الصين. لكنه- بخبرة السنين- لا يريد أن تجد أمريكا والحلفاء أنفسهم فى مواجهة الدب الروسى والتنين الصينى معاً، ولا يرى بديلاً لأوروبا من التفاهم مع روسيا كشريك أسهم فى ضمان أمن أوروبا فى اللحظات الحرجة «كما حدث فى الحرب العالمية» وما زال قادراً على ذلك.


«مزاج اللحظة» يقود للتصعيد.. لكن الواقعية ودروس التاريخ تقول إن تفادى الأسوأ ممكن، وأن التفاوض الجاد والتنازلات المتبادلة هى طريق الحل. وأن أمريكا وروسيا تعرفان جيداً أن فواتير ثلاثة أشهر من الحرب فى أوكرانيا كانت باهظة بما يكفى لمراجعة المواقف قبل اكتمال الكارثة!!
 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي