رفعت الجلسة | المال لا يجلب السعادة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
Advertisements

لم تفارقه الابتسامة وهو واقف أمام القاضى، كان يضع يده على صدره، ثم يأخذ نفسا عميقا ويردد ناظرا إلى السماء، الحمد الله، بعدها يبدأ فى سرد مأساته، طالبا من الحضور الإنصات له.


حاول بقدر الإمكان أن يكون منصفا، صمت قليلا، بحث عن إيجابيات فى حياته الأسرية، لم يجد، شرد بذهنه لثوانٍ، لعل هناك شيئا غائبا عنه، لكنه عاد سريعا، ليستكمل قصة  8 أعوام من المعاناة.

فى إحدى قرى محافظة كفر الشيخ كانت أصوات الذغاريد تنطلق من أحد المنازل الريفية البسيطة، الجميع يبارك للأب، ذلك الفلاح البسيط على نجاح ابنه، وتخرجه فى كلية الطب، السعادة كانت تغمر الأسرة، لكن الابن «الناجح»، كان شاردا بذهنه، يدرك حقيقة ما سيواجهه من تحديات قادمة، ليس لديه مال لفتح عيادة طبية، أو واسطة للعمل فى أحد المستشفيات أو المراكز الطبية الكبرى والتى سيتقاضى منها راتبا كبيرا.

بعد أيام تلقى الابن الوحيد «خطاب التكليف» للعمل فى عيادة صحية بإحدى قرى محافظة الشرقية، ارتضى بالأمر الواقع، جمع ملابسه فى حقيبة، وتوجه إلى هناك للسكن، على أمل العودة إلى قريته مع نهاية كل أسبوع.


6 أشهر كاملة مرت، وبعدها ذاع صيت الابن كطبيب ماهر بين أبناء القرية التى يعمل بها والقرى المجاورة، اصطفت طوابير المرضى أمام العيادة للكشف وتلقى العلاج.

وسط كل ذلك، كان هناك من يراقب بعينيه الوضع الحالى، تاجر من تجار القرية، صاحب نفوذ، يملك من الأموال الكثير، قرأ المشهد من منظور اقتصادى بحت، عرض على الطبيب فتح عيادة أعلى منزله على أن يتكفل بكافة الأجهزة الطبية التى تحتاجها مقابل جزء من الأرباح.

وافق الطبيب بسرعة، شعر أن حلمه بدأ يتحقق، أشرف على تجهيز العيادة الطبية بنفسه، واشترى لها أفضل الأجهزة، لكنه فوجئ بطلب غريب من التاجر، اشترط الرجل الثرى، أن تدير ابنته الحاصلة على دبلوم صناعى حسابات العيادة، فهو يريد أن يطمئن، قال للطبيب «عذرا أنت دكتور، وأنا تاجر أفهم فى القمح فقط، ولا أفهم فى الطب».

اقرأ أيضاً | رفعت الجلسة | ارقد بسلام أبي

لم يمانع الطبيب، وبدأ ممارسة عمله، زادت الأرباح يوما عن الآخر، لكنه لم يشعر بميزة مالية كبيرة، كل الأموال بحوزة التاجر وابنته، هو يدرك أن سداد تكلفة الأجهزة الطبية يحتاج لسنوات من العمل، لذلك ارتضى الصمت والاستسلام للأمر الواقع.

كان التاجر على علم بطموحات الطبيب، انتهز الفرصة، وبدأ فى البحث عن مكسب آخر، اخذ يقص على الشاب حياته الأسرية، ويخبره أنه لم ينجب سوى ابنته الوحيدة التى تدير معه العيادة، وكل ما يملك من أموال وأطيان سيؤول لها بعد عمر طويل.

علم الطبيب بنوايا التاجر، نظر إلى أوضاعه المالية الصعبة، وطموحه الجارف فى أن ينتقل إلى العاصمة ويفتتح عيادة فى إحدى المناطق الراقية هناك.
وافق على الزواج من ابنة التاجر، واشترط أن ينتقل معها للعيش فى القاهرة، وبعدها قدم استقالته من الحكومة.
هنا توقف الطبيب فجأة عن سرد مأساته، نظر بسرعة لمن حوله فى القاعة، لكنه عاد بعينه إلى المنصة راسما ابتسامته المعهودة على وجهه، بعد أن وجد القاضى متلهفا لسماع باقى قصته، ليبدأ فى سرد الجزء الثانى من مأساته.

قال «انتقلت إلى القاهرة سيدى القاضى، ساهم والد زوجتى فى فتح عيادة طبية بأرقى شوارع المهندسين، بدأت رويدا رويدا جذب المرضى لى، وبعد مرور عام أصبح اسمى يتردد فى المناطق الراقية.

لكن سيدى القاضى لم أشعر أننى متزوج، زوجتى لا تفارقنى فى العيادة وأى مكان أذهب إليه، كانت تتولى كل شىء، لم تكن زوجة، بل تاجر يحاصرنى فى كل مكان، يبحث عن المال فقط، وأنا بالنسبة لها «المكنة» الذى يجلب هذا المال.

لم تتوقف شهوتها المالية، أجبرتنى على فتح عيادة فى الهرم، وأخرى فى التجمع الخامس، وعيادة رابعة فى محافظة أسوان.. وكانت ترسل لوالدها نصف الإيراد الشهرى، والباقى تضعه فى البنك.

حقيقة سيدى القاضى لم يكن المال ضمن اهتماماتى، كنت أبحث عن مكسب شخصى، أحاول أن أكتسب الخبرة، وأصبح فى مصاف كبار الأطباء فى تخصص «الصدر والقلب».
سافرت واجتزت عددا من الدورات فى دول كبرى، وشاركت كمقرر لمؤتمرات طبية، نجحت فى اكتساب الخبرة كاملة، أما زوجتى فلم يكن يعنيها نجاحى فى شىء، هى ابنة تاجر وكل همها المال.

لم أستطع تحمل ذلك الوضع، جلسنا معا وتحدثنا سويا، طلبت منها أن تكون زوجة، تجلس فى المنزل تنتظر زوجها، تسعى إلى راحته وتهتم بابنها، وتترك أمر إدارة العيادات لمحاسب متخصص، لكنها رفضت واتهمتنى أننى أريد سرقة مال والدها.

كتمت إهانتها فى نفسي، وتحملت عصبيتها بضعة أشهر، لكنها لم تتغير، بل أصبحت أسوأ، تحولت إلى تاجر جشع، كانت تلومنى إذا تاخرت عن موعد العيادة، جندت السائق والممرض جواسيس لها، ينقلون أخبارى أولا بأول وتركت تربية ابننا لإحدى الممرضات.

جلست بمفردي، أفكر فى وضعى الحالى، أدركت أننى لم أتزوج من الأساس، وأن قرار الزواج من هذه الفتاة كان خطأ كبيرا، كنت شجاعا ووجهت اللوم لنفسى لتنازلى وخضوعى لذلك التاجر وابنته فى سبيل تحقيق طموح شخصى.
أيقنت أخيرا سيدى القاضي، أننى أحتاج إلى السعادة، وزوجة تحترم عملى وتقدر كونى طبيب.

هل تعلم سيدى القاضى أن والدى قاطعنى بعد الزواج من هذه الفتاة، قال لى صراحة «المال لا يجلب السعادة يا بنى» وأنا لم أصدقه وقتها، لكن اليوم أدركت حقيقة هذه المقولة، أصبحت ألعن المال، باتت كل أحلامى تدور حول البحث عن سعادة حتى ولو مؤقتة.
أعود سيدى القاضى إلى الجزء الأخير من قصتى، زادت الفجوة بينى وبين زوجتى، تشاجرنا، أخبرتها أننى لن أذهب إلى العيادة، هددتنى بجلب طبيب آخر.
قالت: «معظم العيادات باسم والدى، وليس هناك شىء باسمك».

لم أهتم بحديثها وتهديداتها، ألقيت عليها يمين الطلاق، وتركت البيت، وتوجهت إلى منزل كنت قد اشتريته بمالى الخاص فى منطقة الهرم، جلست فيه حتى راجعت نفسى كثيرا، عدت بعقلى إلى بداية تخرجى، أدركت أننى استعجلت فى تحقيق طموحى، وارتضيت بطريق نجاح سريع على حساب سعادتى.

أغلقت عقلى سيدى القاضى عن التفكير فى الماضى وما يحمله من خير وشر، قررت أن أغير من نفسى، أدركت أن الفرصة أصبحت سانحة للبدء من جديد، لكننى كنت فى حاجة إلى من يشجعنى، ينير أمامى الطريق، ويمنحنى الثقة لاستكمال حياتى الأسرية والمهنية بنجاح.

وفى لحظة هدوء بأحد الأندية، التقيت بفتاة جميلة، وجهها كان مشرقا، وعيناها تحملان الكرم والأصل، اقتربت منها، تعارفنا، علمت أنها خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وتنحدر من أسرة مثقفة، فجدها كان كاتبا وأديبا كبيرا، ووالدها مسئول بوزراة الثقافة، ووالدتها سيدة تربوية تقلدت مناصب بوزارة التربية والتعليم.

لم أتردد كثيرا سيدى القاضى، التقينا مرة واثنتين وثلاثة بعلم أسرتها، حتى أدركت أنها الزوجة التى ستعوضنى عن ماض حزين، حتى حدث ما كنت أتمناه.
تزوجنا سيدى القاضى، شعرت معها أننى ولدت من جديد، نظمت لى حياتى، منحتنى النجاح من البداية، وغرست فى عقلى حب العائلة والأسرة، أسكنت الدفء والطمأنينه فى قلبي، شجعتنى على خوض الغمار، ووقفت بجوارى حتى سددت كل ديوني، وبدأت من جديد، آمنتها على مالي، ومستقبلى والآن هى أم ابنى.

ليس ذلك فقط بل أعادتنى إلى عائلتي، أبى وأمى وأقاربى أصبحوا لا يفارقون منزلى، الكل سعيد، ونجاحى أصبح أكبر وأكبر.
لن أطيل عليك سيدى القاضى، سأعود بذاكرتك قليلا إلى طليقتى، لقد تحولت إلى وحش، قررت الانتقام منى، قدمت ديونى إلى المحكمة، وهددتنى إما السداد أو الحبس، والحمدلله استطعت رد الدين، حاولت تشويه سمعتى كطبيب أذاعت شائعات عنى، واتهمتنى بقتل المرضى بأدوية مستوردة، لكن خرجت من كل ذلك بقوة.

والآن ومنذ خمس سنوات، قررت أن تنتقم منى فى ابنى الذى ليس له ذنب سوى أنه يحمل اسمى، حرمتنى من رؤيته، وشوهت صورتى فى عقله.


لذلك حضرت إلى القضاء أملا فى حكم يمكننى من رؤية ابنى، بعد سنوات من الفراق.
بعد سماع القاضى للطبيب، قضت المحكمة بقبول دعواه وإلزام الأم بتمكين الأب من رؤية ابنه مرة أسبوعيا لمدة 3 ساعات.

Advertisements