صدى الصوت

وفاة حرفوش

عمرو الديب
عمرو الديب
Advertisements

طالبوه مرارا وتكرارا بأن يتكلم، واستحثوه على الحديث عن أيامه مع شمس الرواية العربية التى لا تغيب.. أديب مصر العالمى نجيب محفوظ الذى آثره وقربه، وائتمنه على أسراره وخفايا حياته التى لم يبح بها إلى أحد حتى من عرفوا بقربهم منه، ومنهم بالطبع الحرافيش القدامى والجدد، شيء ما مميز فى ذلك الحرفوش المقرب استرعى انتباه الأستاذ كما تحب الشلة أن تسميه، فكان يؤثره على الآخرين، فقد اعتاد محفوظ الرائع أن يفضفض مع ذلك الحرفوش المقرب بلا أدنى تحفظ، وهو المعروف عنه الحرص والكتمان وقلة الكلام وإيثار الصمت دائما، شيء ما دفع الأستاذ إلى أن يتخذ من الحرفوش المقرب صندوقا للأسرار،  ومستودعا للخبايا ومخزنا للحكايات المجهولة عن حياة «محفوظ» الحافلة الثرية، فكم تجول الأستاذ مع حرفوشه المقرب الذى اعتبره «محفوظ» محط ثقته ولما لا؟ والرجل مستغرق فى زهده مستمتع ببساطة حياته، يعيش نمطا من الترفع والاستغناء ربما تعمق بعد معرفته بمحفوظ ومعاشرته طويلا، إحساس مطمئن كان يتملك «محفوظاً» بأن هذا الحرفوش المقرب هو الأمين على الأسرار..

الجدير بالفصفضة أمامه، خاصة بعد إصابة الأستاذ بالاكتئاب،  وصدق حدس عميد الرواية العربية، فبعد رحيل نجيب محفوظ استشرت حمى التأليف عنه وكشف أسراره، والتربح من ورائه، كل من هب ودب ألف كتابا عن «محفوظ»، مَن التقاه،  ومَن لم يقابله قط، كل مَن قال له صباح الخير راح يدبح كلاما سماه كتابا إلا الحرفوش المقرب الذى ألح عليه أصدقاؤه فى كتابة مذكراته والإفصاح خلالها عن الحكايات والمواقف والمشاهد التى لم يروها محفوظ لأحد سواه، ولكن الحرفوش المقرب المهندس عماد العبودى رفض تماما أن يبيع أسرار أستاذه، ولم تفلح اغراءات العديد من الناشرين فى إثنائه عن صمته فى الوقت الذى ألف العديد من المتطفلين المرتزقة عشرات الكتب عن نجيب «محفوظ» دون أن يلتقوا به يوما، أو حتى يتكلموا معه هاتفيا، وكم تكرر الضغط على «العبودي» كى يتكلم، ولكنه كان يرفض بنبل، ويقول ستصحبنى أسرار الأستاذ إلى المقبرة، وفعلا صدق الحرفوش المقرب فى وعده فقد غادر عالمنا فجأة منذ أيام، ودفنت معه الأسرار والخفايا التى خصه بها الأستاذ، فوداعا أيها الحرفوش العزيز الذى يعد عملة نادرة فى وسط الزائفين، ولا عزاء للمتربحين بمحفوظ!

Advertisements