بودا بار: شعرية سرد المأساة والمصائر المتقاطعة

بودا بار: شعرية سرد المأساة والمصائر المتقاطعة
بودا بار: شعرية سرد المأساة والمصائر المتقاطعة

كتب :  محمد سليم شوشة
فى رواية بودا بار للروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن الصادرة مؤخرا 2021 عن منشورات ضفاف والاختلاف عدد بارز من النواتج الجمالية والقيم الدلالية التى تؤكد خصوصية سردها وتميز خطابها الروائي، فهى واحدة من الروايات التى تذهب بعيدا فى التنقيب النفسي في نماذجها الإنسانية وتشكل شخصيات مختلفة عن السائد.

وذات حضور قوى تبقى ظلالها حاضرة بقوة فى ذاكرة المتلقي، هى رواية كثيفة فى سردها، وأقرب إلى غابة بما فيها من الأنماط الإنسانية المتشابكة وذات المصائر المتقاطعة، وتتشكل شعرية هذا السرد من عدد من المنابع الجمالية فيه، أبرزها قدر التشابهات أو الاختلافات التى تتحقق فى كل قصة فرعية، وكل شخصية فى الرواية هى أقرب إلى حكاية فرعية وقصة جديدة يتم طرحها بتكثيف داخل الفضاء السردى الإطارى الذى يبدو غائما أو غير صارم الحدود، والحقيقة أن هذا الأمر يجعل بنية الرواية الكلية أقرب إلى طبيعة الحياة، ويجعلها تبدو عفوية ومصدقة وكأنها ليس فيها تأليف أو خيال، وأنه ليس فيها إلا الحقيقة.

وفي هذا النسق التشكيلي المازج بين نقاط الاختلاف والتشابهات ميزة جمالية أخرى، وهى أنها تصنع إيقاعا خاصا لعالم الرواية، ويمكن أن يكون عالم الرواية نفسه له إيقاع، وهو مختلف عن الإيقاع السردي، وإيقاع العالم الروائى يتشكل من تفاوت نغمات الحكايات وتفاصيلها وقدر ما يتواتر أو يتكرر ويتشابه منها، وقدر ما يكون مختلفا أو مغايرا، بالإضافة طبعا إلى النسق التركيبى الذى يتم عبره دمج هذه النغمات مع بعضها أو يضمها إلى بعضها، وهو نسق قد يبدو للوهلة الأولى عشوائيا أو بلا نظام، ولكنه فى الحقيقة يتشكل وفق نظام كامن فى عقل منتج الخطاب السردى ولو بغير وعى منه مطابقا لصورة الحياة وطبيعتها، ولكن بشكل مكثف وفى نموذج مصغر.

وربما تكون التشابهات التى فى بعض الحكايات على نحو ما نرصد هى أبرز ما يلفت الانتباه وتشكل مكونا خطيا يتفاعل مع الاختلافات، إنه أمر أقرب إلى امتزاج الخير والشر وتداخلهما وصراعهما، صراع القيم والمعانى المتناقضة والتحامها، على سبيل المثال نجد أن الجمال يصبح لعنة وسببا فى الدمار والهلاك وموت الشخصية، وبخاصة إذا كان جمالا استثنائيا، ويتكرر فى الرواية لدى شخصيتين متعاقبتين زمنيا لم تلتقيا أبدا، لكن كانت الروابط بينهما لاحقة عبر الأبناء، وهما شخصيتى جمانة المقتولة وغزلان أم دورا، والأمر نفسه أحيانا بالنسبة للغنى أو الثراء الذى يتحول إلى سبب للرعب أو الخوف من المجهول أو يتسبب فى الحسد ويصنع لدى بعض الشخصيات فى الرواية هواجس وعبئا نفسيا. ثم بجانب هذه التشابهات تكون هناك اختلافات أخرى كثيرة، تتمثل فى قوى الشر أو فى النماذج المضادة، وهى الأخرى متناسلة فى الزمن وممتدة ويكمل بعضها بعضا من حيث الأدوار أو التوظيف أو التنوع، فنجدها متحققة فى الرجال وفى النساء كذلك، ومثال ذلك التكامل بين شخصيتى ديبة المرأة صاحبة المجمع السكنى وهى رمز لبقايا الحرب بكل شرورها، وكذلك القاتل المأجور. المهم أن هذا التنوع فى التركيب وتشكيل شخصيات هذا العالم الروائى وأنماطه يمنحه ثراء كبيرا ويجعله يتشكل على نحوى شعرى كما هى شعرية الحياة نفسها، وهو ما يمنح المتلقى شعورا غامضا بالشجن والعجز عن التفسير، فيبدو الخير والشر يمضيان جنبا إلى جنب بشكل محير وبلا تفسير.

وهكذا تبدو رواية بودا بار بحكاياتها الكثيرة التى شكلت نسيج عالمها أقرب إلى سيمفونية كبيرة فيها عديد النغمات والمقاطع الموسيقية التى يكون منها الثابت والمتغير، ما يشكل قلب السيمفونية أو اللحن الأكبر وما يشكل نغمة فرعية أو حلية موسيقية على الهامش أو ترديدا وتكرارا يتفاعل مع آخر. فنجد مثلا أن المأساة وقصص الحب تمثل خطوطا متوازية تمضى فى فضاء الزمن بثبات من الماضى إلى المستقبل، ويوازيها خط الخيبة أو السقوط، أو المزج بين هذا وذاك، قصة دورا مع آزاد فيها شيء من قصة والدها حبيب وأمها غزلان، ودائما هناك الثابت الممتد من الانكسار أو الخيبة والمختلف أو المتغير من طريقة كل شخصية فى التعامل مع خيباتها. 

يمثل الطبيب يوسف الجد/ الجراح الذى أصر على البقاء فى الحرب الأهلية النغمة الثابتة فى اللحن، ممثلا للخير أو للعطاء والصمود وحب الحياة، وهكذا يبقى حفيده وسميه يوسف الصغير سؤالا ممتدا، عن إمكانية أن يكون مثل جده أم يصير فجوة فى الزمن مثل أبيه وأمه، وغيرهما من البائسين، وهكذا تبدو كافة حكايات الرواية مفتوحة على احتمالات عديدة فى مصائرهم وهكذا يكون الخطاب الروائى كله أثرا مفتوحا أمام تأويلات المتلقى الذى يجد دائما أمامه مساحات للتوقع أو أن يكون له تخييله الموازى لتخييل الرواية.

من جماليات هذه الرواية كذلك أنها رواية أقرب إلى الشكل البوليسى ولهذا فهى حافلة بالتشويق وثرية بالمحفزات التى تجعل المتلقى مشدودا إلى التوغل فيها طوال الوقت ليستكشف كثيرا من الأسرار والوحدات الغامضة أو التى تحتاج إلى تفسير أو يتوقع بعض الحوادث المفاجئة من كثير من الشخصيات، فهى رواية حافلة بالتوتر والقلق وفيها نوع من الصراع الخفى أو المتوارى تحت ركام من الرماد. لكن الأهم فى تقديرنا أن هذا الشكل البوليسى الذى يبدأ من نقطة القتل واختفاء جثة القتيلة الفاتنة جمانة لا يشتغل بشكل أحادى وسطحى على جريمة القتل إنما يستغل هذه الحادثة وهذا الإطار البوليسى ليطرح حياة كاملة صاخبة بالحيوية والحركة وتكتظ بالأنماط الإنسانية والقصص الفرعية المشوقة هى الأخرى وذات تشابكات كثيرة، ويتم توظيف المكان على نحو بارع فى الربط بين هذه القصص كلها التى يجمعها هذا الحى فى العاصمة اللبنانية ويبقى المكان مصدرا للأسرار فى الرواية عبر تاريخه وامتداده الرأسى فى الزمن وبما مرّ عبره من الحوادث الصعبة مثل الحرب الأهلية.

وفي الرواية يتم التركيز بشكل أكبر على مجمع عمارات ديبة بما لها من تاريخ غامض ومصير عبثى فى انتقال الملكية حددته الحرب، وبما يرتبط به من الجثث أو القتلى السابقين، عبر أشكال عديدة من القتل، وكأن المكان على هذا النحو صار مفتوحا على عوالم ميتافيزيقية وليس فيه حواجز أو سدود فاصلة بين الحياة وما وراها، وهذا ما جعله مناسبا لشخصية العرافة التى أصبحت مكملة لهذا السمت المكانى وهو نوع التوفيق أو التوافق فى الأبعاد السيميائية؛ ذلك لأن العرافة هى الأخرى تشير إلى عالم الأشباح والأرواح الغاضبة أو المغدورة التى قد تعود إلى الحياة مرة أخرى عبر أشكال مختلفة من العودة سواء بالاستحضار بالوسيط الروحي، أو بالتسلل والأشباح أو أن يكون بينها وبين أحد الأحياء سر ما، وهكذا فإن شخصية هيام العرافة تتناسب وتتوافق بشكل كامل مع سمات المكان وأحد أهم ملامحه، وهو ما يتكرر كذلك مع منزل القلعة الغامض ونظرة دورا أو أبيها وعائلتها له. والحقيقة أن هذه النقطة لتشير إلى نوع من التشابك والتعاضد الإشارى بين الشخصيات والمكان بحيث يكون مصيرهما واحدا، أو يكون كل واحد منهما ناتجا عن الآخر، فلا تعرف هل الذى شكل المكان بهذا الشكل ومنحه غرائبيته وأبعاده الأخروية والسحرية هو الإنسان أم أن الإنسان هو الذى أصيب بلعنة المكان وكان مصيره على هذا النحو المأساوى بسبب المكان. والمكان المقصود هنا يتسع عن مجرد عمارة أو شارع أو حى ليشكل فضاء أرحب قد يكون رامزا إلى لبنان أو منطقتنا العربية بكل ما تحمل من الغموض والأبعاد السحرية والأسطورية المتجذرة فيها. يبدو عالم الرواية مؤسسا على بيئة غامضة، وكأن شيئا ما من الماضى يطارد الجميع ويدفعهم إلى هذا المصير الغريب. ربما تكون الحرب الأهلية بمخلفاتها وبقاياها من الطائفية والكراهية، والفساد. والحقيقة أن الرواية فيها المستويان من الدلالة، الرمزى والمباشر، ما يؤشر إلى حياة واقعية فى الحى بكافة تقاطعاتها، وما يجعل هذه الحياة فى الآن نفسه دالة على الواقع اللبنانى وأزمات لبنان ومشاكله، ولكن هذا المستوى يحتاج إلى جهد تأويلى ولا يتضح إلا مع نهاية الرواية غالبا، وفى المستوى الرمز يمكن أن تشير جمانة المقتولة إلى وضع لبنان وترديها السياسي، وبخاصة أن القاتل يظل مجهولا، ويتفرق دمها بين كثيرين منهم المحبون ومنهم الكارهون.

وفى أحد الفصول يميل الخطاب السردى إلى تقنية الأصوات ليدلى كل طرف برأيه أو اعترافه حول علاقته بجمانة التى تشبه أطراف الشعب اللبنانى وفصائله بهذا البلد الذى عشقوه جميعا ولكنه انتهى إلى هذا المصير الصعب، وبخاصة أن جمال جمانة وفتنتها تشبهان واقع لبنان وحاله وتفرده.


يشتغل خطاب الرواية على توظيف الفن والموسيقى على نحو جيد، فتكون هذه العناصر والتفاصيل المرتبطة ببعض الأغانى الأجنبية أو العربية أو السيمفونيات مانحة لهذا العالم بعض نبضه وحيويته وتجعل حضوره قويا ومجسدا أمام المتلقي، وتكون دالة كذلك على سمات الشخصيات وطباعها وثقافتها أو حالتها المزاجية، فالحقيقة هى قادرة على إنتاج عديد الجماليات عبر توظيفها التلقائى وجعلها جزءا طبيعيا من عالم الرواية وأحداثه.

وفيها الكثير من الجماليات الخاصة بالتشكيل السردى مثل التعامل مع الزمن عبر مستويات عدة، فإذا كان هناك الخط الزمنى الراهن الذى يؤطر فضاء الرواية من بدايتها حتى النهاية من بعد حادث مقتل جومانة توغلا فى هذا الزمن مع المستقبل واستكشاف شخصيات الحى القديمة والوافدة، لكن هناك كذلك الاسترجاعات الكثيرة وغير المحدودة بزمن معين، وترتبط بكافة الشخصيات تقريبا، حيث يأتى الرجوع إلى الماضى حتميا وينير ماضى الشخصية ويجعل لها جذورا تاريخية وامتدادا طبيعيا، فتكون الشخصية مطاردة بماضيها أو أنها نتاج هذا الماضى بكل ما فيه ومتسقة معه، وهكذا تكون المبررات لبعض أشكال الشقاء أو الحيرة أو الخيبة، وبرغم كثرة الشخصيات وكثافة هذا العالم تأتى الرواية فى فضاء سردى غير مترهل، وصغير برغم ثرائها، فلا تتجاوز صفحاتها 166.


ويمكن عدها رواية نفسية بامتياز لقدر سبرها لأغوار هذه الشخصيات دون استثناء تقريبا، ولا تبدو هناك شخصية هامشية، فيكون هناك تعرض لمشاعر الشخصية وتقلباتها وقلقها وأحلامها وهواجسها. وتتحرك فى فضاءات مكانية شاسعة وبعيدة، داخل لبنان وخارجها، قد يكون هذا الحى البيروتى وهذا المجمع السكنى هو البؤرة ونقطة الانطلاق، لكنها عبر الاسترجاعات تذهب إلى أماكن أخرى كثيرة فى أوربا وأمريكا اللاتينية أحيانا، أو سيرلانكا دولة الخادمة التى تجعل منها هى الأخرى قاتلة مطاردة، ولا ينكشف سرها من البداية، فتبدو الرواية على هذا النحو من التنقلات المكانية الواسعة ذات طاقة جمالية أقرب للسياحة، وتجعل المتلقى يتجاوز الحركة فى مكان واحد ممل. 

كما يبدو فيها توظيف سحرى لأشياء المكان وعناصره بما يدعم طاقات الخطاب التشويقية، ويأتى ذلك على نحو خاص فى عالم العرافة هيام وأشياء مسكنها ومقتنياتها المحفزة التى تبدو كل قطعة منها نافذة على عالم الماورائيات والسحر والأسرار، وفى قمتها المخزن أو المكان السفلى الذى تصل إليه من شقتها ويحوى مخلفات الحرب والأرواح التى فُقدت وقتلت وكأنها نافذة على التاريخ أو الماضي، فترمز هذه الأشياء إلى انفتاح الحاضر على الماضى أو التاريخ بامتداده وميراثه من الألم والمصائر المعلّقة، ولهذا التداخل بين الأزمان الذى أنتجته الرواية من توظيف الأشياء قيمة دلالية أخرى لأنه جعل الشر والقتل ينفذ إلى الحاضر ويعبر إلى الحياة الجديدة عبر هذه المنافذ غير المسدودة، بما يسهل لقوى الشر العبور. 


وفى الرواية كذلك توظيف جيد للأحلام بما ينتج قيمتين مهمتين؛ الأولى ترتبط بتتبع الشخصيات ورسمها نفسيا ورصد قلقها وهواجسها، والثانية ترتبط بالتشويق وجعل الأحلام هى الأخرى نافذة على عالم الماورائيات وفتح احتمالات متصلة بمصير الشخصية أو مخاوفها، فترتبط الأحلام بعمل العرافة أو بتكهن الشخصية بمستقبلها أو ما ستؤول إليه. والحقيقة هى واحدة من الروايات الثرية التى فيها الكثير من الجوانب الجمالية والدلالية المهمة وجديرة بمزيد من التأمل والقراءة والاشتغال التأويلي.

أقرا ايضا | أن يعيش الرسام مستقلًا.. زيارة لـ «كايرو كوميكس ٦»

 

*

 

احمد جلال

جمال الشناوي

 

 

 


 

ترشيحاتنا